هل فشل المغرب في تقليص معضلتي التشرد والتسول؟
في وقت تستعد فيه المملكة المغربية لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030، ضمن شراكة ثلاثية مع إسبانيا والبرتغال، تتجه الأنظار نحو استعدادات المملكة على مختلف المستويات، ليس فقط في مجال البنيات التحتية والملاعب، بل أيضاً في مواجهة التحديات الاجتماعية التي تهدد صورتها أمام العالم.
ويبرز في هذا السياق معضلتان مزمنتان لم تفلح السياسات العمومية بعد في الحد منهما بشكل ملموس، وهما التشرد والتسول، اللتان ما تزالان تلقيان بظلالهما الثقيلة على كبريات المدن المغربية.
ففي شوارع مراكش والدار البيضاء وفاس وطنجة، تتكرر المشاهد ذاتها يومياً: متسولون يمدون أيديهم عند إشارات المرور أو أمام المتاجر والمطاعم، وأطفال وشيوخ يفترشون الأرصفة، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بإيجاد حلول مستدامة لهذه الظواهر التي تُنذر بأزمة اجتماعية متفاقمة، وتثير قلقاً متزايداً في الأوساط الرسمية والمدنية على حد سواء.
ومع اقتراب الحدث الرياضي العالمي الذي سيجذب أنظار الإعلام الدولي، باتت الحكومة تحت ضغط مضاعف لتقديم نموذج اجتماعي متوازن يوازي طموحها الاقتصادي والتنظيمي.
وفي هذا الإطار، كشفت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، اليوم الإثنين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن الحكومة تقترب من إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأسرة، التي تهدف إلى تقوية البنية الأسرية والحد من مسببات الهشاشة الاجتماعية، معتبرة أن نجاح أي مقاربة لمكافحة التسول والتشرد لا يمكن أن يتحقق في سنة واحدة أو خلال ولاية حكومية واحدة، بل يتطلب عملاً تراكمياً وجهداً مشتركاً بين الدولة والمجتمع المدني والمواطنين.
وأكدت بن يحيى أن وزارتها تبذل جهوداً ميدانية متواصلة، تشمل حملات لتجميع الأشخاص المشردين وتقديم الدعم لهم، إضافة إلى الرفع من جاهزية مراكز الإسعاف الاجتماعي المتنقلة، وبرمجة ميزانية تقدر بـ11 مليون درهم لاقتناء آليات الخدمات الاجتماعية، إلى جانب تخصيص 16 مليوناً و530 ألف درهم لدعم 31 مؤسسة تُعنى بإيواء ورعاية هذه الفئات.
كما أشارت إلى أن الحكومة تسعى إلى تجاوز المقاربة العلاجية نحو مقاربة وقائية تستهدف جذور الظاهرة، من خلال الاستثمار في الأسرة والتعليم والتوعية الاجتماعية.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل في نظر كثير من المراقبين غير كافية ما لم تُرافق بإصلاحات أعمق تشمل محاربة الفقر، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحسين الولوج إلى فرص الشغل والسكن الكريم.
فالأرقام الرسمية لا تعكس بدقة حجم الظاهرة على أرض الواقع، حيث تشير تقارير ميدانية إلى تزايد عدد المتسولين في المدن الكبرى، بعضهم يمارس التسول كمهنة مدرة للدخل، في حين يجد آخرون أنفسهم مجبرين على مد اليد بعد أن سُدت أمامهم أبواب العيش الكريم.
من جانب آخر، حملت الوزيرة المواطنين جزءاً من المسؤولية في تفاقم الظاهرة، معتبرة أن تقديم المال للمتسولين، خصوصاً أولئك الذين يستغلون الأطفال، يساهم دون قصد في استمرارها وانتشارها.
ودعت إلى نشر ثقافة الوعي الجماعي بضرورة التبليغ عن حالات الاستغلال، بدل تشجيعها بدافع الشفقة.
وفي مقابل هذه الجهود الرسمية، دق النواب خلال أشغال الجلسة ناقوس الخطر، محذّرين من أن مقاربة “الترقيع الاجتماعي” لم تعد كافية، وأن المطلوب اليوم هو سياسة شاملة تضع الإدماج الاجتماعي والاقتصادي في صلب أولوياتها، عبر برامج لإعادة تأهيل المشردين وتمكينهم من فرص عمل وسكن، بدل الاقتصار على إيوائهم مؤقتاً.