مصطلح “الفراقشية” يواصل إشعال الجدل في الساحة السياسية
تواصل كلمة "الفراقشية" إثارة جدل واسع داخل الساحة السياسية المغربية خلال الأشهر الأخيرة، بعد أن تحولت إلى مصطلح متداول على نطاق كبير في النقاشات البرلمانية المرتبطة بالدعم العمومي الموجه لعدد من القطاعات.
وقد برز هذا المفهوم لأول مرة أثناء النقاش الذي رافق عملية استيراد الأغنام قبل سنة، ثم عاد للواجهة خلال نقاش دعم الأدوية، قبل أن يمتدّ إلى ملف الأعلاف.
وترى فرق برلمانية، لا سيما من المعارضة، أن الدعم العمومي استفادت منه فئات و"جهات نافذة" بشكل غير مستحق، بينما لم يصل إلى المستفيدين الفعليين الذين يفترض أن تخصص لهم هذه الموارد.
وخلال جلسة عمومية عقدها مجلس النواب صباح اليوم خُصصت للدراسة والتصويت على النصوص التشريعية الجاهزة، أخذ هذا الجدل بعداً جديداً، بعدما علّق وزير العدل عبد اللطيف وهبي على مداخلات نواب المعارضة التي تكررت فيها عبارة "الفراقشية".
وقال الوزير، في رد اتسم بنبرة انتقاد واضحة: "يبدو أننا نحتاج إلى تعيين وزير خاص لشؤون الفراقشية"، في إشارة منه إلى كثرة استخدام المصطلح داخل قبة البرلمان.
وأضاف وهبي مستغرباً: "من الغريب أن تتحول مثل هذه التعابير إلى جزء من الخطاب البرلماني الرسمي"، مبرزاً أن الكلمة وردت أكثر من عشرين مرة خلال الجلسة ذاتها.
وأكد وزير العدل أن من الضروري العودة إلى جذور هذا المصطلح وتتبع تطوره منذ حكومة التناوب وحتى الحكومة الحالية، في إشارة إلى أن النقاش حول استغلال الدعم العمومي ليس وليد اللحظة، وأن الزج بمفردات غير دقيقة في النقاش العمومي قد يربك المسار المؤسساتي للحوار السياسي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مطالب متواصلة من فرق المعارضة بتشكيل لجان لتقصي الحقائق في ما يتعلق بما تصفه بـ"فراقشية الدعم"، سواء في ملف الأدوية أو الأعلاف، وهي ملفات ترى المعارضة أنها عرفت اختلالات تتطلب التحقيق والمتابعة.
وفي هذا الصدد، سبق للفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية أن دعا وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، إلى مواجهة ما وصفه بـ"المستفيدين غير المستحقين" من الدعم العمومي المخصص لمربي الماشية، مؤكداً أن هؤلاء يعطلون أهداف البرنامج الملكي الرامي إلى إعادة تكوين القطيع الوطني.
وفي سؤال كتابي وجهه النائب البرلماني أحمد العبادي إلى وزير الفلاحة، أوضح أن الوزارة خصصت مليارات الدراهم لدعم مربي الماشية في تحمل كلفة الأعلاف، غير أن ارتفاع الأسعار بشكل كبير بعد صرف الدعم جعل جزءاً مهماً من هذا الغلاف المالي لا يحقق الهدف المنتظر منه، إذ لم يعد ما يصل إلى المربّي الصغير كافياً لتغطية الفارق بين الأسعار قبل الدعم وبعده.
واعتبر أن هذا الوضع يعكس دخول جهات تجارية مضاربة على خط العملية، ما أدى إلى رفع أسعار الأعلاف مستغلة ارتفاع الطلب، وهو ما وصفه بــ"السعي إلى اقتناص الدعم العمومي بوسائل غير مشروعة".
وأشار العبادي إلى أن هذه الاختلالات تهدد بشكل مباشر أهداف البرنامج الملكي لإعادة بناء القطيع الوطني، وتتسبب في إهدار مبالغ مالية ضخمة من المال العام دون أثر ملموس على الفلاحين الصغار أو على السوق الوطنية، محذراً من أن استمرارها سيزيد من هشاشة الفئات المستهدفة بالدعم.
وطالب النائب بـ"تدخل عاجل وحاسم" من طرف وزارة الفلاحة من أجل ضمان مراقبة صارمة ودائمة لأسعار الأعلاف في الأسواق الأسبوعية ونقاط البيع والتوزيع، وتشديد الرقابة على جميع أشكال المضاربة والاحتكار والإخفاء غير القانوني للمواد الحيوانية.
وتعكس هذه التطورات أن الجدل الدائر حول مصطلح "الفراقشية" لم يعد مجرد خلاف لغوي أو تعبير متداول في الخطاب السياسي، بل أصبح مدخلاً لنقاش أعمق يتعلق بمدى فعالية الدعم العمومي وشفافية توجيهه إلى مستحقيه.
ومع استمرار مطالب المعارضة بالتحقيق ومساءلة الجهات المتورطة في اختلالات الدعم، يبدو أن هذا المصطلح سيظل حاضراً بقوة في المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، في انتظار خطوات حكومية ورقابية تعزز الحكامة وتضمن عدالة توزيع الدعم وتحقيق الأهداف التنموية المرجوة.