هل تتجه حكومة أخنوش إلى تقنين أنشطة الباعة الجائلين؟
في ظل تنامي ظاهرة الباعة الجائلين في مختلف مدن المملكة، يعود النقاش من جديد إلى الواجهة حول مدى قدرة حكومة عزيز أخنوش على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن تقنين هذا النشاط الذي ظل لعقود خارج أي إطار قانوني واضح.
فبالرغم من البرامج المعلنة والوعود المتكررة بإدماج “القطاع غير المهيكل” في النسيج الاقتصادي المنظم، ما تزال الفوضى في الشوارع والأسواق العشوائية تطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة المقاربات الحكومية، ومدى استعدادها للمضي قدماً في إصلاح جذري لهذا الملف الاجتماعي والاقتصادي الشائك.
وتشير أصوات من جمعيات حماية المستهلك والفاعلين المدنيين إلى أن التجارة الجائلة، وإن كانت مصدر رزق لآلاف الأسر، فإنها تشكل منافسة غير مشروعة للتجارة المنظمة، وتساهم في اتساع فجوة الهشاشة المهنية، فضلاً عن حرمان خزينة الدولة من موارد ضريبية مهمة.
ورغم تكرار المطالب بضرورة تقنين القطاع، تؤكد هذه الهيئات أن الظاهرة ما تزال مستعصية، وأن الحكومة “لم تنجح بعد في تأهيل التجارة الجائلة أو في إيجاد إطار قانوني شامل ينظم عمل هذه الفئة”.
وفي خضم هذا الجدل، شهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين نقاشاً واسعاً حول واقع الباعة المتجولين وسبل إدماجهم في المنظومة الاقتصادية بشكل يحفظ حقوقهم ويضمن احترام قواعد المنافسة الشريفة.
وخلال رده على سؤالين برلمانيين، كشف وزير الصناعة والتجارة رياض مزور معطيات جديدة بشأن هذا الموضوع، مشيراً إلى أن المداخيل الشهرية للباعة الجائلين تتراوح بين 4000 و4200 درهم، ما يجعلهم فاعلاً اقتصادياً حقيقياً لا يمكن تجاهله في السياسات العمومية.
وأكد الوزير أن تحسين أوضاع هذه الفئة يمر عبر توفير الحماية الاجتماعية وخلق فضاءات منظمة وآمنة للبيع، معتبراً أن هذا الأمر يشكّل حماية اجتماعية بحد ذاته، ويضمن في الوقت نفسه حقوق المستهلك وتكافؤ الفرص بين التجار.
وقال إن مشكل هذه الفئة ليس غياب المداخيل، بل غياب التنظيم، وهو ما يستدعي انخراطاً قوياً من الجماعات المحلية باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم الفضاءات العمومية، فيما تتكفل وزارته بدعم البنيات وتجهيز فضاءات استقبال مناسبة للباعة الجائلين، سواء من خلال التمويل أو المواكبة التقنية.
وأشار مزور إلى وجود نماذج ناجحة يجب استلهامها، وفي مقدمتها تجربة مدينة العيون التي تمكنت من نقل عدد كبير من الباعة الجائلين إلى أسواق مهيكلة مجهزة، ووفرت لهم أماكن ملائمة للنشاط التجاري تحت إشراف وزارة الصناعة والجماعات المحلية.
واعتبر الوزير أن تعميم هذه التجربة يمكن أن يشكل نقطة تحول في معالجة الظاهرة، مشدداً على ضرورة نقل جميع الباعة إلى الأسواق المنظمة لتحسين جمالية المدن وضمان ظروف اشتغال لائقة لهم.
وفي سياق متصل، تحدث الوزير عن التنافس “غير الشريف” بين القطاع المهيكل وغير المهيكل، مبرزاً أن بعض المقاولات نفسها تمارس في الظل والعمل النظامي في آن واحد، حفاظاً على توازنها المالي.
ورغم ذلك، أكد أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً تدريجياً في الإدماج الجبائي وازدياد عدد المهنيين الذين اختاروا الاشتغال بطريقة رسمية، وهو ما يظهر في نمو المداخيل الضريبية بوتيرة تفوق النمو الاقتصادي.
وأوضح مزور أن الوزارة تعمل بشكل مشترك مع مختلف الشركاء، وعلى رأسهم الاتحاد العام لمقاولات المغرب، من أجل إدماج القطاع غير المهيكل في الاقتصاد الوطني، مستندة في ذلك إلى تعزيز آليات المراقبة على الواردات والصادرات ومسارات التزويد، إضافة إلى توسيع رقعة الإدماج المالي الذي من شأنه رفع مستوى الشفافية وتحسين مراقبة الأداءات.
وبين الدعوات المتكررة للإصلاح والتحذيرات من تفاقم الفوضى في الشوارع، يظل السؤال الأساسي مطروحاً: هل ستتجرأ الحكومة على اتخاذ قرارات حقيقية لتنظيم أنشطة الباعة الجائلين، أم ستظل المعالجات مقتصرة على حلول ظرفية لا ترقى إلى مستوى التحدي الاجتماعي والاقتصادي الذي يفرضه هذا الملف؟