اتفاقيات متعثرة وملفات مجمدة.. غضب المقاطعات المهمشة يضع عمدة البيضاء في قلب الجدل
تعيش مدينة الدار البيضاء خلال الأسابيع الأخيرة على وقع جدل متصاعد حول العدالة المجالية داخل مقاطعاتها، حيث تعالت أصوات عدد من رؤساء المقاطعات وأعضاء المجلس الجماعي احتجاجا على ما يصفونه باستمرار تهميش مناطق واسعة وحرمانها من نصيبها العادل من المشاريع التنموية، في وقت تستأثر فيه مقاطعات أخرى ببرمجة استثمارات أكثر انتظاما ووضوحا.
وقد عاد هذا النقاش إلى الواجهة بقوة خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الجماعي المنعقدة يوم أمس الثلاثاء، بعدما وجّه ممثلون عن مقاطعات الحي المحمدي وسيدي مومن وحي مولاي الرشيد انتقادات حادة للتأخر المزمن في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، ولما اعتبروه غيابا حقيقيا للإنصاف في تدبير شؤون المدينة.
وشهدت الجلسة لحظات توتر واضحة عقب تدخل يوسف الرخيص، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، الذي عبّر بلهجة مباشرة عن امتعاضه من استمرار تعثر عدد من المشاريع الحيوية داخل المقاطعة، وعلى رأسها اتفاقية إعادة تهيئة سوق السلام وإصلاح ملعب الاتحاد البيضاوي، إلى جانب ملف المنازل الآيلة للسقوط بدرب مولاي الشريف الذي ما يزال يهدد سلامة عشرات الأسر، بالإضافة إلى استمرار معاناة الساكنة مع سوق الدواجن الذي لم يُرحّل رغم مرور سنوات على طرح بدائل له، فيما تبقى الروائح الكريهة مصدر إزعاج يومي يفاقم من تدهور جودة العيش.
وفي السياق نفسه، عبّر أعضاء من مقاطعة سيدي مومن عن تذمرهم من غياب المقاطعة شبه الدائم عن جداول دورات مجلس جماعة الدار البيضاء، معتبرين أن مشاريع كبرى تمرّ دون الالتفات إلى احتياجات ساكنة المنطقة التي تضم كثافة سكانية عالية وتحتاج، بحسب تعبيرهم، إلى دعم أكبر على مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وأكد هؤلاء أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلبا على الأحياء الهامشية التي لا تزال تنتظر نصيبها من الأوراش التي تُطلق في المدينة، دون أن يطالها سوى القليل.
وتشير تصريحات المنتخبين المحليين إلى أن الفوارق بين المقاطعات لم تعد مجرّد انطباعات، بل تحولت إلى واقع يلمسه السكان يوميا، سواء في جودة الطرقات أو توفر المرافق الرياضية والثقافية أو مستوى الخدمات الجماعية.
ويرى عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن هذا الوضع يشكل تناقضا صارخا مع طموح الدار البيضاء لتقديم نموذج في الحكامة الترابية، باعتبارها أكبر قطب اقتصادي وإداري في المغرب، يفترض أن يكون رائدا في توزيع عادل ومتوازن للمشاريع.
كما يؤكد هؤلاء أن استمرار التفاوتات المجالية يهدد الثقة بين السكان ومؤسسات المدينة، خاصة في الأحياء التي ظلّت لسنوات تطالب بتحسين ظروف العيش دون أن ترى نتائج ملموسة، مما يزيد من حدة الإحباط الاجتماعي ويولد شعورا متناميا بالإقصاء مقارنة بمناطق أخرى شهدت نهضة واضحة خلال العقد الأخير.
وفي الوقت الذي يستعد فيه المجلس الجماعي لإطلاق دفعات جديدة من البرامج الاستثمارية خلال السنة المقبلة، يترقب سكان المقاطعات المهمشة ما إذا كان هذا الحراك السياسي سيقود فعليا إلى تصحيح مسار التوزيع العادل للمشاريع، أم أن الأمر سيظل مجرد نقاش يتجدد في كل دورة دون تغيير ملموس على أرض الواقع.