تحذيرات نقابية من تحميل الطبقة الشغيلة كلفة أزمة التقاعد

الكاتب : انس شريد

03 ديسمبر 2025 - 08:30
الخط :

في خضم نقاش اجتماعي متصاعد حول مستقبل منظومة التقاعد في المغرب، عاد ملف الإصلاح إلى الواجهة بقوة، محاطًا بجدل واسع بين الحكومة والمركزيات النقابية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من بلوغ الصناديق التقاعدية مرحلة عجز قد يهدد استمراريتها خلال السنوات القليلة المقبلة.

وبينما تؤكد الحكومة أن تسريع الإصلاح بات ضرورة ملحّة لتفادي انهيار وشيك للمنظومة، تتمسك النقابات بموقفها الرافض لأي توجه يحمّل الشغيلة كلفة الاختلالات التقنية والمالية التي راكمتها الأنظمة الحالية عبر عقود.

وفي هذا السياق المشحون، خرج الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الميلودي موخاريق، برسالة واضحة مفادها أن إصلاح التقاعد لن يمر على حساب العمال، وأن صحة وسلامة الأجراء “حق لا يقبل التفاوض”.

وخلال افتتاح الدورة الثانية عشرة لليوم الدراسي حول الصحة والسلامة في العمل، الذي نظمه صندوق التعاضد المهني المغربي، شدد موخاريق على أن حماية العامل داخل فضاء الشغل ليست امتيازًا يمكن التراجع عنه، بل جزء جوهري من كرامته المهنية ومن صميم التزامات الدولة تجاه الطبقة العاملة.

وأكد أن الاتحاد المغربي للشغل يتابع بقلق كبير اتجاه النقاش الرسمي نحو خيارات قد تضع الأجراء في صلب كلفة الإصلاح، وعلى رأسها مقترح رفع سن التقاعد إلى 65 سنة، الذي أثار موجة رفض واسعة داخل الأوساط النقابية والاجتماعية.

وقال موخاريق بصوت حازم إن الرفع من سن التقاعد لا يمكن أن يكون إلزاميًا في أي حال من الأحوال، معتبرًا أن مطالبة عامل يشتغل في ظروف قاسية ومهن شاقة بتمديد مساره المهني إلى هذا الحد، هو أمر غير عادل ولا ينسجم مع مفهوم العمل اللائق كما تحدده اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وأضاف أن أي تعديل في السن القانوني للتقاعد ينبغي أن يظل اختياريًا، حتى لا يتحوّل الإصلاح إلى عبء نفسي وجسدي يرهق العمال ويعمّق هشاشتهم داخل سوق الشغل.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المغرب يواجه وضعًا ماليًا دقيقًا على مستوى أنظمة التقاعد، بعدما كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد قد تنفد بحلول عام 2028 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة.

وبيّن التقرير أن العجز التقني الذي سجله الصندوق بلغ 9.8 مليار درهم سنة 2023، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المنظومة، ويحتم إصلاحًا هيكليًا شاملًا يتجاوز الحلول الجزئية التي اعتمدت في السابق.

ورغم إقرار الحكومة بأن الإصلاح لا مفر منه، إلا أن النقابات تتمسك بأن إنقاذ المنظومة يجب أن يتم عبر إجراءات عادلة تراعي مصلحة العامل، بدل الاكتفاء بتدابير تقنية تنعكس بشكل مباشر على جيوب الأجراء ومسارهم المهني.

وتبدو الأشهر المقبلة حاسمة في مسار هذا الملف، خصوصًا في ظل غياب توافق واضح بين الحكومة والمركزيات النقابية حول الخيارات الممكنة. فبينما ترى الحكومة أن رفع سن التقاعد وإعادة هيكلة المساهمات آليات لا غنى عنها لضمان استدامة الصناديق، تعتبر النقابات أن أي إصلاح لا يضع العدالة الاجتماعية في قلب منهجيته هو إصلاح ناقص يهدد بتوسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي.

ويرى مراقبون أن الحكومة أمام اختبار صعب يتمثل في ضرورة طمأنة الشغيلة وإقناعها بجدوى الإصلاح دون المساس بحقوقها الأساسية، وإلا فإن الساحة الاجتماعية قد تكون مقبلة على موجة جديدة من التوتر.

وفي ظل هذا الوضع المتسم بالحساسية، يظل صوت النقابات، وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل، عاملًا أساسيًا في موازنة النقاش وضمان ألا يتحول إصلاح التقاعد إلى خطوة أحادية تُفرض من فوق.

آخر الأخبار