في رحاب صوت النساء... حين يصبح الغناء تجربة جماعية
أمينة المستاري
كانت أصوات نسائية تتعالى من قاعة مركب أودادن، أصوات مفعمة بالحياة انضمت لنادي دندنة النسائي بامتياز. كانت كل زاوية تنبض بالإيقاع، وكل صوت يروي قصة امرأة قررت أن تقضي لحظات بعيدا صغب الحياة والأشغال اليومية ومشاغل الحياة.
كانت القاعة تمتلئ تدريجيا، ليس بأعداد غفيرة من الجمهور فقط، بل بصوت النساء أنفسهن: أصوات متداخلة، ضحكات، هتافات، تصفيق، وابتسامات تتسرب من العيون قبل الشفاه.
كل مشاركة، مهما كانت صغيرة، تضيف لحنا جديدا إلى نسيج الحدث.
هنا، الغناء ليس مجرد أداء على خشبة؛ إنه فعل جماعي، تجربة حسية، واحتفال بالصوت الأنثوي في أبهى صوره.
الصوت الجماعي النسائي...مساحة للنساء، مساحة للحرية
أصبح هذا النادي منبرا للنساء اللواتي يبحثن عن مساحة آمنة للغناء والتعبير الفني...نساء تتراوح أعمارهن بين العشرين فما فوق، يجتمعن بانتظام لتعلم الغناء، وإتقان الأداء الجماعي تتكلل بحفل يجمع كل الفئات لأداء جماعي وأيضا عبر مجموعات صغيرة.
بالنسبة لبعضهن، هذه التجمعات هي بوابة لاكتشاف قدرات كانت مدفونة تحت روتين الحياة اليومية؛ وبالنسبة لآخريات هي فرصة لتقوية الروابط الاجتماعية ومشاركة متعة الفن والدعم المعنوي أيضا.
"الغناء هنا يجعلني أشعر بالحرية… وكأنني أعيش لحظات من طفولتي، عندما كنا نغني في الأعراس والمواسم، دون أي قيود...ويخرجني من دوامة الحياة اليومية والانشغالات"، تقول ثورية، إحدى العضوات.
كان صوت ثورية يتردد في القاعة، ممزوجا بأصوات أخريات، ويخلق شعورا بأن كل واحدة منهن ليست وحدها، وأن صوتها جزء من لحن أكبر.
الغناء النسوي الجماعي… حيث يصبح الجمهور جزءا من الأغنية
تتحول القاعة في كل حفل إلى فضاء نابض بالحياة. لا يوجد حواجز بين "المغنيات" و"المستمعات"، فكل عضوة يمكنها المشاركة بالغناء، أو حتى الإيقاع باليدين أو التصفيق على نغمة معينة، ولو لم تكن تحفظ الأغنية، فالنادي قدم في بداية الحفل كتيبا به مجموعة من الأغاني التي ستغنيها رئيسته " سعاد إمني"، أستاذة الموسيقى بمؤسسة الترجي الخصوصية، ليغني الجميع بصوت واحد متناغم، تفاعلي، وتلقائي- لا نصوص جامدة، لا قيود على التعبير- فقط لحظات تتدفق فيها الأصوات وتتشابك مع الضحكات والابتسامات، تتخللها من حين لآخر خروج سعاد عن النص لإضفاء جو من الفكاهة.
عضوات النادي يحضرن بأزياء يخترنها حسب رغبتهن لكن بالاتفاق على اللون الأبيض أو الأسود غالبا، كما أن الحفل يكون نسائيا صرفا، لأن الصوت هنا ليس شرطا للانضمام فالمهم أن العضوات يجمعهن حب الموسيقى وروح المشاركة.
الغناء النسوي… أكثر من مجرد فن
الغناء النسوي هو أكثر من مجرد فن، هو فرصة للفرح والضحك والاستمتاع بالفن، والتكافل الاجتماعي، والدعم النفسي...
تجربة نادي دندنة سبقته تجربة تونسية من خلال فرقة رحمة بن عفانة الغنائية "نادي هن"، الذي أنشأ ليس من أجل الشهرة أو الاحتراف، بل للفرح والمشاركة، يتم دمج الموسيقى الحديثة بالتراث التونسي، مع الحفاظ على المساحة النسائية.
هذه المبادرات النسائية الصرفة تعكس تغييرا ثقافيا مهما: الغناء لم يعد حكرا على الرجال أو في المناسبات الخاصة، بل أصبح فعلا يوميا، حرا، وجماعيا.
ففي مثل هذا النادي، يعيد المجتمع إلى مكانه الطبيعي: الصوت لا يقمع، النساء يشاركن، والجمهور- حتى لو كان من نفس الجنس أو متابعا فقط - يصبح شاهدا على تحول الصوت إلى تجربة جماعية.
زهور الإدريسي، إحدى مكافحات المرض الخبيث ورئيس جمعية "أناروز" لمرضى السرطان، نموذج قوي على الحس الإنساني والتكافل الاجتماعي الذي يحققه النادي.
فزهور كانت أول الملتحقات بالنادي:" كنت في مراكش عندما طالعت إعلانا للنادي، واتصلت برئيسته سعاد وطلبت منها المشاركة في التجربة، وفعلا أصبحت عضوة مؤسسة في نادي لا يتعدى رقم المنخرطات فيه 20 عضوة، كان رائعا وما زاد روعته طيبوبة سعاد، ومن مركز تربوي في حي السلام انتقلت المبادرة إلى قاعة فسيحة، وانتشر الخبر بين السيدات، ليصبح عدد المنخرطات فيه بضع مئات...".
تضيف زهور بصوت هادئ: "بدوري اصطحبت صديقاتي وبعض عضوات الجمعية من محاربات المرض الخبيث وفي كل مرة يعدن ومعنوياتهن مرتفعة بعد أن نفضن عنهن روتين الحياة اليومية ونسين آلامهن ويحضين بالدعم المعنوي أيضا..." تستطرد زهور: " لمدة سنتين تغيبت بسبب مرضي الخبيث...لكنني كنت أحرص على متابعة مسار النادي فالموسيقى علاج نفسي كبير، وأعتبره متنفس لنساء أكادير." إحساس زهور ليس الوحيد، بل هو إحساس جميع عضوات النادي.
صوت المرأة يتخطى الصمت
حين يغادر الحضور القاعة في كل حفل، لا يعتبر خروجهن نهاية، بل بداية لموسم جديد من اللقاءات، التدريبات...الصوت النسوي يواصل انتشاره وإحياءه الغناء النسوي، ومنحه مساحة الحرية، ولتجربة جماعية تعيد للمرأة صوتها الذي طالما تأجل، لكنه لم يفقد.