ملف الدعم الفلاحي يعود لدائرة الجدل وسط تحذيرات من نفوذ "فراقشية الأعلاف"
تتصاعد حدة الجدل من جديد في المغرب حول طريقة تدبير الدعم العمومي الموجه للقطاع الفلاحي، بعدما وجّه عدد من النواب البرلمانيين أسئلة كتابية لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محذرين من انحرافات خطيرة في مسار توزيع الموارد المالية المخصصة للفلاحين والكسابة، سواء فيما يتعلق بالدعم المرتبط بوسائل الإنتاج أو ذاك الموجه للأعلاف.
هذه الاتهامات، التي تزامنت مع فترة حساسة تتقاطع فيها رهانات اجتماعية واقتصادية وسياسية، أعادت النقاش حول شفافية منظومة الدعم ومدى قدرة الدولة على تحصينها من كل أشكال الاستغلال أو التسييس.
وقد دق النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الله بووانو، ناقوس الخطر بشأن ما اعتبره ممارسات مقلقة تمس جوهر العدالة الاجتماعية في الأقاليم الفلاحية.
وأكد بووانو، في سؤاله الكتابي الموجّه إلى وزير الفلاحة والصيد البحري، أحمد البواري، أن عدداً من المناطق شهدت في الفترة الأخيرة توزيعاً انتقائياً للدعم الفلاحي، تم فيه تغليب الولاءات والانتماءات الحزبية على معايير الاستحقاق والحاجة.
ووفق النائب نفسه، فإن لوبيات محلية تمكنت من استغلال هشاشة الفلاحين الصغار وحاجتهم إلى البذور والأسمدة وأنظمة الري بالتنقيط، لتحويل هذا الدعم إلى أداة لتوجيه الولاءات السياسية وبناء قواعد انتخابية بدل أن يبقى وسيلة لتمكين الفلاحين من أدوات الإنتاج.
وأشار بووانو إلى أن استمرار مثل هذه الممارسات من شأنه أن يُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات ويشوّه فلسفة الدعم العمومي، الذي وُجد أساساً لتقليص الفوارق ودعم الفلاحين الذين يعيشون على هامش الهشاشة الاقتصادية.
وطالب النائب البرلماني الحكومة باتخاذ إجراءات فورية لوقف ما وصفه بتسييس الدعم، مع وضع مساطر شفافة تضمن وصوله إلى مستحقيه بشكل موضوعي وعادل، وترتيب المسؤوليات عن أي تجاوزات محتملة.
ويأتي هذا النقاش في ظل تصريحات رسمية سابقة لوزير الفلاحة أحمد البواري، الذي كشف، مؤخرا، أن وزارته استطاعت، بفضل الرقمنة، صرف أربعة مليارات درهم لفائدة 912 ألف كسّاب خلال ثلاثة أسابيع فقط، في إطار برنامج دعم الأعلاف والحفاظ على إناث الأغنام والماعز.
وهو رقم اعتبره الوزير سابقة من حيث حجم الاعتمادات وسرعة التنفيذ، مؤكداً أن العملية تمت في ظروف تتسم بالشفافية الكاملة عبر الرسائل النصية.
غير أن حجم هذه المبالغ وطريقة صرفها أعادا طرح أسئلة مشروعة حول مدى قدرة المنظومة على ضمان تكافؤ الفرص، خاصة في المناطق التي يظل فيها الفلاح الصغير الحلقة الأضعف أمام التقلبات الزراعية والسوقية.
وفي هذا السياق، دخل الفريق النيابي للتقدم والاشتراكية على الخط أيضاً، موجهاً انتقادات حادة لما سماه “فراقشية الأعلاف”، وهم تجار وصفهم البرلماني أحمد العبادي بأنهم يقتنصون الدعم العمومي عبر المضاربة في أسعار الأعلاف ورفعها بشكل كبير بعد الإعلان عن برامج الدعم.
وأشار العبادي ، في سؤاله الموجه للوزير، إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف جعل الدعم المقدم للكسابة الصغار غير كافٍ حتى لتغطية الفارق بين أسعار ما قبل الدعم وما بعده، ما حوّل الدعم إلى مكسب غير مباشر للمضاربين بدل أن ينعكس على الفلاحين.
واعتبر النائب البرلماني أن هذا الواقع يُفرغ البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع من محتواه، ويبدّد ملايير الدراهم دون أثر فعلي على السوق أو على الأسعار التي ما تزال تثقل كاهل المواطنين.
كما حذّر من أن استمرار هذه الممارسات يهدد بتقويض الأهداف الكبرى التي تقوم عليها السياسة الفلاحية، خاصة فيما يتعلق بتثمين الإنتاج الحيواني وضمان وفرة اللحوم بأسعار معقولة. وطالب الحكومة بالتدخل السريع من أجل مراقبة الأسواق الأسبوعية ونقاط بيع الأعلاف، وتفعيل آليات الزجر في مواجهة أي محاولات الاحتكار أو المضاربة أو إخفاء السلع.
التحذيرات نفسها جاءت في سؤال آخر موجّه من العبادي، كشف فيه مجدداً عن استمرار نشاط “فراقشية الأعلاف” بالتزامن مع بدء العمل بالدعم الموجه للكسابة خلال شهر نونبر 2025.
وأوضح أن ارتفاع الطلب على الأعلاف بعد الإعلان عن الدعم خلق بيئة خصبة للمضاربات، وهو ما أدى إلى ارتفاع جديد في الأسعار، دون أن يتمكن الكساب الصغير من الاستفادة من الدعم بالشكل الذي خُصص من أجله.
هذه الوضعية، وفق البرلماني، لا تُهدد فقط نجاح البرنامج الوطني لإعادة تكوين القطيع، بل قد تُسهم أيضاً في استمرار ارتفاع أسعار اللحوم التي يعاني منها المواطنون منذ أشهر، نتيجة ضعف العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج.
في المقابل، تؤكد وزارة الفلاحة أن عملية صرف الدعم تتم وفق معايير رقمية دقيقة، وتعتبر أن الرقمنة قلّصت من تدخل الوسطاء وحدّت من فرص التلاعب.
وبينما تواصل الحكومة الدفاع عن مقاربتها المعتمدة في تدبير الدعم، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة ثقة الفلاحين الصغار الذين يواجهون موسماً صعباً وتحديات متراكمة في الإنتاج، في وقت تعيش فيه الأسواق تقلبات حادة في الأسعار، ويزداد فيه الطلب على الأعلاف بشكل غير مسبوق.