اختلالات التعمير تشتعل من جديد بالدار البيضاء وسط مطالب بلجنة تفتيش وزارية
يتجدد الجدل بمدينة الدار البيضاء حول وضعية التعمير بعد بروز مؤشرات واضحة على وجود اختلالات عميقة تمسّ هذا القطاع الحيوي، الذي يعدّ رافعة أساسية للتنمية الحضرية وتنظيم المجال داخل أكبر حاضرة اقتصادية بالمغرب.
ومع تنامي الشكايات وارتفاع الأصوات المنتقدة لطريقة تدبير الملفات العمرانية، يتصاعد الشعور بالقلق لدى عدد من الفاعلين المحليين بسبب غياب انسجام مؤسساتي، وتداخل الأدوار، وتنامي الاستثناءات في منح التراخيص التي باتت تشكّل قاعدة غير معلنة داخل المدينة.
وتشير عدة معطيات إلى أن الدار البيضاء تعيش منذ سنوات على وقع تراكمات كبيرة في منظومة التعمير، سواء على مستوى مساطر إعداد وثائق التهيئة، أو على صعيد مراقبة احترام القوانين المنظمة للبناء، أو فيما يتعلق بتدبير الرخص والحفاظ على التوازنات البيئية والعمرانية.
تتواصل حالة التوتر بعد التصريحات القوية التي أطلقها فريق العدالة والتنمية، الذي يتموقع في صفوف المعارضة، بخصوص ما يعتبره اختلالات غير مسبوقة في تدبير ملف التعمير داخل العاصمة الاقتصادية للمملكة.
فقد وجّه عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية بالمجلس، انتقادات لاذعة للأداء الحالي، معتبراً أن قطاعاً حيوياً وحساساً مثل التعمير أصبح يعرف “تدخلات غير مفهومة” من طرف بعض الجهات، وهو ما يثير، بحسب قوله، مخاوف جدية حول مسار التخطيط العمراني بالمدينة.
ودعا حيكر خلال ندوة صحفية عقدها فريقه بمقر الحزب، وزارة الداخلية إلى التدخل العاجل وإيفاد لجنة تفتيش وزارية للتحقيق في هذه الاختلالات، بالنظر إلى الأثر المباشر لملف التعمير على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى مستقبل الاستثمار والتنمية الحضرية بالدار البيضاء.
وأوضح حيكر، أن القطاع سجّل مؤشرات إيجابية خلال فترة تولي حزبه مسؤولية تدبير الجماعة، قبل أن ينحرف المسار، حسب تعبيره، نحو “تراجع مقلق” بفعل ممارسات في التدبير أصبحت موضوع شكايات متزايدة من عدد من الفاعلين والمتدخلين في القطاع.
وأكد أن فريقه وجّه عدة ملاحظات جوهرية حول تصاميم التهيئة الجديدة المعروضة، معتبراً أن الدار البيضاء تحتاج إلى تصميم موحّد يراعي خصوصيات المدينة وتوازناتها، محذراً من أن الاستثناء في منح التراخيص أصبح قاعدة، وهو ما يشكل خطراً على التصور العام للتخطيط العمراني.
وسرد حيكر سلسلة من المراحل التقنية والقانونية التي يمر منها إعداد تصاميم التهيئة، بدءاً من الوكالات الحضرية مروراً بالجماعات والمصالح غير الممركزة، إلى أن يتم اعتمادها بشكل نهائي من طرف الحكومة عبر مرسوم رسمي، مشدداً على أن أي خلل أو تضارب في هذا المسار يُعد تهديداً مباشراً لمفهوم التهيئة السليمة ولمستقبل التنمية الحضرية بالمدينة.
من جهتها، وجّهت سميرة رزاني خلال أشغال الندوة انتقادات لاذعة للمكتب المسير بسبب ما اعتبرته غياباً فاضحاً للقرارات والمشاريع ذات الأولوية خلال الدورة الأخيرة للمجلس، وفي مقدمتها تعديل القرار الجبائي المتعلق بالسومة على الأراضي الحضرية غير المبنية، إضافة إلى كناش عقد التدبير المفوض.
وأكدت أن المكتب لم يكن في مستوى انتظارات الساكنة، وأنه لجأ إلى برمجة نقط “ترضية المقاطعات وإهدار الزمن التدبيري”، مشيرة إلى أن تكرار إلغاء عدد من الاتفاقيات بسبب “نقص في الوثائق” يكشف عن ارتباك حاد وغياب نضج إداري داخل الجهاز التنفيذي للجماعة.
أما مصطفى الحيا، عضو الفريق ذاته، فقد ركز على اختلالات التعمير، مستحضراً مثال تصميم تهيئة حديقة عين السبع الذي تم عرضه وفق قوله “دون التنصيص على أنها حديقة”، وهو ما اعتبره دليلاً على اعتماد معايير متباينة في التعاطي مع ملفات التعمير داخل الوكالة الحضرية.
وأشار إلى أن تضارب المصالح يزيد من تعقيد المشهد العمراني بالمدينة، مؤكداً أن العديد من الأسر المتضررة من تصاميم التهيئة تعيش أوضاعاً صعبة بسبب غياب رؤية واضحة ومسؤولة في معالجة الملفات.
وتعكس هذه التصريحات تصاعداً ملحوظاً في حدة التوتر السياسي داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، وسط مطالب متزايدة بفتح تحقيق رسمي في ملف التعمير الذي أصبح محور جدل واسع بين الأغلبية والمعارضة.
وبين الاتهامات بالارتباك وسوء التدبير من جهة، والدفاع عن الجهود المبذولة من جهة أخرى، يبدو أن ملف التعمير سيظل أحد أكثر الملفات حساسية داخل أكبر جماعة حضرية في المغرب، في انتظار ما ستسفر عنه تحركات وزارة الداخلية ولجان التفتيش المحتملة.