اتهامات بالتقصير داخل البرلمان تعيد النقاش حول إصلاح المنظومة التشريعية

الكاتب : انس شريد

08 ديسمبر 2025 - 06:30
الخط :

يتواصل الجدل داخل المؤسسة التشريعية في المغرب بوتيرة متسارعة، بعدما تحول غياب الوزراء والبرلمانيين عن الجلسات الدستورية إلى ظاهرة قائمة الذات، تعكس توتراً متصاعداً في علاقة الحكومة بالبرلمان وتضعف صورة العمل التشريعي في نظر الرأي العام.

مشهد تكرّر خلال جلسة الأسئلة الشفوية ليوم الإثنين بمجلس النواب، حيث أثار غياب عدد من أعضاء الحكومة استياءً واضحاً داخل القبة، سواء لدى فرق المعارضة أو الأغلبية، في مؤشر إضافي على عمق المشكلة وتعقّد تداعياتها.

خلال هذه الجلسة، أشارت النائبة عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، عائشة الكرجي، إلى تسجيل غياب خمسة وزراء دون تقديم مبررات. تصريحها أثار ردوداً قوية، خاصة بعد قولها إنّ “عدداً من الوزراء منشغلون بالقصاير في الجهات والأقاليم، وناسون دورهم الدستوري”.

وسببت العبارة غضباً واضحاً داخل فريق الأغلبية، ودفع رئيس الجلسة محمد غيات إلى اعتبارها غير مقبولة، معلناً سحبها من المحضر احتراماً لحرمة المؤسسة التشريعية.

كما انضم البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة عبد الرحيم بوعزة إلى موجة الانتقاد، واصفاً كلام النائبة بـ”مصطلحات القاع”، ومشدداً على أنّ الوزراء “لا يقصرون، بل يتواصلون مع المواطنين في مختلف المناطق”.

وحاول الفريق الاشتراكي، تلطيف الموقف من خلال مداخلة رئيسه سعيد بعزيز، الذي أكد أن زميلته قصدت “التقصير” وليس “القصاير”، وأن المعنى أُخرج عن سياقه.

غير أن التوتر الذي طبع الجلسة يعكس، وفق مراقبين، حالة احتقان حقيقية داخل المؤسسة التشريعية، جراء استمرار الغيابات المتكررة التي باتت تشكّل إحراجاً سياسياً وتحدياً مؤسساتياً في آن واحد.

ولم تعد الظاهرة مقتصرة على الوزراء وحدهم، بل تشمل أيضا عدداً كبيراً من النواب، خاصة خلال المحطات التشريعية المفصلية.

أحدث مثال على ذلك كان تسجيل غياب 290 نائباً ونائبة، أي أزيد من 73 في المئة من مجموع أعضاء المجلس، خلال جلسة التصويت على مشروع قانون المالية لسنة 2026 في قراءة ثانية.

واقعة وُصفت على نطاق واسع بأنها “صفعة” لصورة المؤسسة التشريعية، لما تحمله من رسائل سلبية حول جدية ممثلي الأمة ومدى التزامهم بالمهام الدستورية.

واعتبر عدد من المحللين السياسيين مرارا أن هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تتفاقم في ظل غياب آليات ردع فعالة ورغبة حقيقية في فرض احترام الزمنين التشريعي والرقابي.

وأوضحوا أن الغياب يمسّ حتى الجلسات العامة والدستورية المخصصة للأسئلة الشفوية أو لمناقشة القوانين الأساسية ذات التأثير المباشر على السياسات العمومية، ما يؤدي إلى إفراغ الدور الرقابي للبرلمان من محتواه وإضعاف أثره في توجيه العمل الحكومي.

في ظل هذه التطورات، دخلت فعاليات مدنية على الخط، وعلى رأسها الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، التي أصدرت بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه ما وقع خلال جلسة المصادقة على قانون المالية “فضيحة سياسية بكل المقاييس”.

وعبرت الشبكة عن قلق عميق مما وصفته بـ“السلوك غير المسؤول” و“التهرب المتكرر من الواجب النيابي”، معتبرة أن ذلك يسيء للمؤسسة التشريعية ويعمّق أزمة الثقة لدى المواطنين، خصوصاً الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى البرلمان بوصفه مؤسسة منفصلة عن انشغالاتهم اليومية.

وأكدت الشبكة أن استمرار التطبيع مع الغياب يعكس “عبثاً سياسياً ومؤسساتياً” يقتضي القطع معه عبر تشريعات صارمة، داعية إلى اعتماد قانون يُجرّد البرلماني من صفته في حال تكرار الغياب غير المبرر، على غرار ما هو معمول به في تدبير غياب المنتخبين المحليين.

كما طالبت بمراجعة شاملة للمنظومة الانتخابية، من خلال منع الجمع بين المهام البرلمانية أو الحكومية من جهة، ورئاسة الجماعات الترابية أو الغرف المهنية من جهة أخرى، لضمان التفرغ الكامل للأدوار الدستورية.

وألقت الشبكة بالمسؤولية المباشرة على الأحزاب السياسية، معتبرة أنها تتحمل قسطاً كبيراً من “الخلل البنيوي”، بسبب تقديمها “نماذج مستهترة بالعمل التشريعي”، وهو ما يؤدي إلى “هدر الزمن التشريعي” ويشجع ثقافة الهروب من المواقف السياسية.

كما دعت مختلف القوى المدنية والفعاليات المجتمعية إلى التكتل من أجل المطالبة بإصلاح عميق يعيد الاعتبار لمؤسسة البرلمان ويجعلها فضاءً لممارسة سياسية مسؤولة وفاعلة.

آخر الأخبار