اختلالات الإحصاء والترقيم.. تحذيرات من تسييس الدعم وتنامي نشاط "فراقشية الأعلاف"

الكاتب : انس شريد

08 ديسمبر 2025 - 10:30
الخط :

يتجدد الجدل داخل الأوساط الفلاحية والسياسية في المغرب حول طريقة تدبير الدعم العمومي المخصص للقطاع الفلاحي، بعدما تعالت أصوات عدد من النواب البرلمانيين محذرين مما وصفوه باختلالات بنيوية تمسّ مسار توزيع الموارد المالية المخصصة للفلاحين والكسابة.

وتزامن هذا الحراك البرلماني مع أسئلة مباشرة واتهامات صريحة بوجود انحرافات في ربط عملية إحصاء القطيع بآلية الترقيم وصرف الدعم، وبروز شبهات تتعلق بانتقائية في التعامل مع الملفات داخل بعض الأقاليم، ما أعاد النقاش حول فعالية المنظومة وشفافية إجراءاتها.

ووجه النائب البرلماني رشيد حموني عن الفريق التقدم والاشتراكية سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري لفت فيه الانتباه إلى مشاكل تقنية وميدانية رافقت عملية الإحصاء الوطني للقطيع، الذي أُنجز تنفيذاً للتوجيهات الملكية المتعلقة بإعادة تكوين القطيع ودعم المربين.

وأشار النائب البرلماني إلى أن الإعلان عن دعم مباشر لفائدة مربي الأغنام والماعز والأبقار تلاه ظهور عدة صعوبات خلال تنزيل القرار، خصوصاً في بعض مناطق إقليم بولمان، حيث سجل مربون عدم شمول جميع رؤوس الماشية بالترقيم بدعوى نفاد الحلقات، في حين استفاد آخرون من عدد أكبر مما تضمنته عملية الإحصاء، ما يفتح الباب أمام استفادة غير مستحقة قد تحرم فلاحين آخرين من حقوقهم.

وتحدث حموني عن تأثير المضاربات واحتكار بعض كبار التجار لسوق الأعلاف، الأمر الذي فاقم الوضعية الاقتصادية للفلاحين الصغار، ودفعه إلى الدعوة لاتخاذ تدابير عاجلة لتصحيح الاختلالات وضمان تزامن عمليات الإحصاء والترقيم وصرف الدعم، بما يحقق العدالة بين المربين ويغلق منافذ الاستغلال والتلاعب في المنظومة.

وبموازاة هذا التحرك، سبق أن وجه النائب البرلماني عبد الله بووانو عن العدالة والتنمية سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة أحمد البواري بشأن ما اعتبره تجاوزات خطيرة تمس جوهر العدالة الاجتماعية، بعد تسجيل حالات توزيع انتقائي للدعم الفلاحي في بعض المناطق.

وأفاد النائب بأن معايير الاستحقاق لم تكن دائماً هي المعتمدة، وأن الولاءات السياسية والانتماءات الحزبية تحكمت في وصول الدعم لبعض الفلاحين على حساب آخرين أكثر حاجة، وفق تعبيره.

ويؤكد بووانو أن ما وصفه بـ"اللوبيات المحلية" نجحت في استغلال هشاشة الفلاحين الصغار وحاجتهم الماسة للبذور والأسمدة ووسائل الري الحديثة، لتحويل الدعم إلى أداة تأثير سياسي وبناء قواعد انتخابية، بدل أن يظل وسيلة لتقليص الفوارق الاجتماعية ودعم القدرة الإنتاجية للفئات الهشة.

ودعا الحكومة إلى التدخل السريع لإعادة ترتيب المساطر واعتماد آليات شفافة تضمن حماية الدعم من أي انحرافات، واستعادة ثقة المزارعين الذين يشعرون بأن المنظومة الحالية لا تعكس حاجاتهم الحقيقية.

وجاءت هذه الانتقادات في سياق ترويج الوزارة لإنجازات مرتبطة برقمنة المساطر وتسريع وتيرة صرف الدعم، حيث كشف الوزير البواري مؤخراً أن وزارته تمكنت من صرف أربعة مليارات درهم لفائدة 912 ألف كسّاب خلال ثلاثة أسابيع فقط، في إطار برنامج دعم الأعلاف والحفاظ على إناث الأغنام والماعز.

ويعتبر هذا الرقم، وفق الوزارة، سابقة من حيث حجم الاعتمادات وسرعة التنفيذ، مؤكدة أن العملية تمت في ظروف تتسم بالشفافية عبر النظام الرقمي والرسائل النصية.

غير أن ضخامة هذه المبالغ وطريقة صرفها فتحت الباب أمام تساؤلات جديدة حول مدى قدرة الرقمنة وحدها على تصحيح الاختلالات، خصوصاً في المناطق التي يتسع فيها نفوذ الوسطاء وتضعف فيها مراقبة الأسواق، ويشق فيها الفلاح الصغير طريقه بصعوبة في ظل تقلبات حادة تشهدها أسعار الأعلاف والماشية.

ولم تمر سوى أيام حتى انضم النائب البرلماني أحمد العبادي، إلى دائرة المنتقدين الذي ركز على ظاهرة "فراقشية الأعلاف"، وهي التسمية التي أطلقها على تجار وصفهم باستغلال الدعم العمومي لتحقيق أرباح غير مشروعة، عبر التلاعب في أسعار الأعلاف فور الإعلان عن أي برنامج دعم للكسابة.

وأكد النائب البرلماني في معرض سؤاله أن الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف جعل الدعم المخصص للكسابة الصغار غير قادر على تغطية الفوارق السعرية، ما حوّله إلى مكسب مباشر للمضاربين بدل أن ينعكس على الفلاحين الذين يستنزفهم الغلاء.

وحذّر العبادي من أن هذا الوضع يفرغ البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع من جوهره، ويبدد مبالغ مالية ضخمة دون تأثير فعلي على الأسعار في السوق أو على استقرار العرض الوطني من اللحوم.

كما لفت إلى أن هذه الممارسات تهدد أهداف السياسة الفلاحية الرامية إلى تثمين الإنتاج الحيواني وضمان وفرة اللحوم بأسعار تناسب القدرة الشرائية للمواطنين. وطالب الحكومة بتعزيز المراقبة في الأسواق الأسبوعية ونقاط بيع الأعلاف، وتفعيل آليات الزجر في وجه كل من يحتكر السلع أو يرفع الأسعار بشكل غير قانوني.

وفي سياق استمرار هذه الانتقادات، عاد العبادي ليكشف عن موجة جديدة من المضاربات رافقت بداية صرف الدعم خلال شهر نونبر 2025، مؤكداً أن ارتفاع الطلب على الأعلاف مع انطلاق البرنامج خلق مناخاً مثالياً للفوضى السعرية، ومكرساً وضعاً أربك الفلاحين الصغار الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن الاستفادة الحقيقية من الدعم.

وبينما تواصل وزارة الفلاحة الدفاع عن المقاربة الرقمية باعتبارها ضمانة للشفافية والنجاعة، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة بناء ثقة الفلاحين في المنظومة، خاصة في ظل موسم صعب يزداد تعقيداً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات السوق.

ومع استمرار الأصوات المطالبة بوقف التلاعبات والحد من نفوذ المضاربين، يظل مستقبل الدعم الفلاحي مرهوناً بقدرة الحكومة على مواجهة هذه الاختلالات، وتحصين البرامج العمومية بما يضمن وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين دون وسيط أو تحيز أو استغلال سياسي.

آخر الأخبار