تحذيرات من "كليات بسرعتين" بسبب الذكاء الاصطناعي.. والوزير يراهن على التبسيط

الكاتب : انس شريد

09 ديسمبر 2025 - 08:30
الخط :

شهدت الجامعات العالمية خلال السنوات الأخيرة تحولات غير مسبوقة في أساليب التعليم والبحث العلمي نتيجة اعتماد الذكاء الاصطناعي، حيث تبنت دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة سياسات شاملة لإدماج هذه التكنولوجيا في المناهج الدراسية وتطوير مختبرات ذكية للبحث والابتكار.

وقد ركزت هذه الدول على تدريب الأساتذة وتأهيل الطلاب للتعامل مع الأدوات الرقمية الحديثة، مع وضع أطر قانونية وتنظيمية لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا، ما أسهم في تعزيز جودة التعليم وتحقيق تكافؤ الفرص بين المؤسسات التعليمية.

في المغرب، أصبح موضوع إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي محور نقاش مستمر داخل البرلمان، حيث أبرز عدد من المستشارين الحاجة إلى اعتماد رؤية واضحة ومتدرجة، تأخذ بعين الاعتبار التفاوت في الإمكانات بين الجامعات المختلفة.

وأوضح هؤلاء أن إدخال هذه التكنولوجيا بشكل مفاجئ دون تجهيز البنية التحتية أو تأهيل الأساتذة قد يؤدي إلى خلق فجوات تعليمية، ويؤثر على جودة التكوين الأكاديمي.

في جلسة الأسئلة الشفوية التي عقدت يوم الثلاثاء 9 دجنبر، أثار المستشار محمد زيدوح، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، مجموعة من الإشكالات المتعلقة بهذا التحول التكنولوجي.

وأكد زيدوح أن إدماج الذكاء الاصطناعي أصبح توجهاً عالمياً لا يمكن تجاهله، لكنه يستلزم رؤية واضحة ومتوازنة تضمن تطوير التعليم العالي دون خلق فجوات بين المؤسسات الجامعية أو الإخلال بالدور الإنساني للأساتذة في العملية التعليمية.

وأشار المستشار إلى أن إدراج هذه التكنولوجيا داخل الجامعات يتطلب توفر بنية تحتية مناسبة، مع مراعاة قدرة كل كلية على استيعاب التحول الرقمي بشكل متوازن. وأوضح أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في بعض المؤسسات وترك الأخرى دون تجهيز قد يخلق تفاوتاً يؤثر على تكافؤ الفرص بين الطلاب.

واعتبر تكوين الأساتذة عنصراً أساسياً في أي مشروع للتحول الرقمي، مؤكداً على ضرورة تقديم تكوين مستمر ومتجدد لهم لمواكبة سرعة تطور هذا المجال.

كما لفت الانتباه إلى أن العديد من الجامعات تواجه تحديات مالية قد تعيق قدرتها على الانخراط الكامل في هذا التحول.

وأبدى المستشار زيدوح مخاوفه من أن يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الأستاذ، وهو ما اعتبره خطراً محتملاً على جودة التعليم، مشدداً على أهمية العلاقة الإنسانية بين الطالب والأستاذ في تنمية مهارات البحث العلمي وبناء شخصية الطالب.

وحذر من الاعتماد المفرط على هذه التكنولوجيا، مؤكداً أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع قدرة الطلاب على الاجتهاد الفكري والبحث المستقل، ويحول العملية التعليمية إلى مجرد الحصول على إجابات جاهزة دون جهد أو تحليل.

وتوقف زيدوح أيضاً عند الجانب القانوني المرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى صعوبة التحقق من مصادر المعلومات والنتائج التي يقدمها، وهو ما يطرح إشكالات كبيرة في مستوى الأطروحات الجامعية حيث يتطلب الاعتماد على مصادر موثوقة ومحققة.

وأكد على مسؤولية الدولة في وضع إطار قانوني ينظم استخدام هذه الأدوات داخل الجامعات، بما يضمن حقوق الطلاب والأساتذة ويحمي جودة التعليم والبحث العلمي.

وختم المستشار تعقيبه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل قيمة مضافة للتعليم العالي إذا ما استُخدم بشكل تكميلي ومدروس، مع الاستثمار في تأهيل الأساتذة وتطوير المؤسسات الجامعية لضمان إدماج سلس وفعال.

من جهته، شدد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الجامعات يمثل تحدياً عالمياً يتجاوز السياق المغربي، ويتطلب استراتيجيات شاملة تشمل جميع الجوانب البيداغوجية والبحثية.

وأوضح الوزير أن الوزارة تبنت بيداغوجيات جديدة لتسهيل إدماج هذه التكنولوجيا، مع منحها إطاراً قانونياً واضحاً، إلى جانب تعزيز التكوينات في مجالات الرقمنة وعلوم البيانات، وإنشاء مركز وطني للابتكار في الأمن السيبراني، وإدماج وحدات متخصصة في الذكاء الاصطناعي ضمن سلكي الإجازة والماجستير.

وأحصى الوزير عدداً من التدابير التنفيذية، منها اعتماد 550 مسلكاً في الرقمنة و65 مسلكاً في الذكاء الاصطناعي، ورقمنة 147 وحدة جامعية، وتأهيل الموارد البشرية داخل الجامعات، وتقديم منح مالية للباحثين في هذا المجال.

وأكد أن الوزارة تنظر إلى التحولات الرقمية بنهج استباقي وليس ردود فعل ظرفية، مستشهداً بتجارب جامعات عالمية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم أطروحات الدكتوراه من خلال ملخصات مركزة، ما يعكس التغيرات في نماذج البحث العلمي المعاصر.

وأضاف أن الجامعات تمثل فضاء للفكر والإبداع، وأن إدماج الذكاء الاصطناعي إلى جانب تعليم اللغات والمقاولاتية يشكل جزءاً أساسياً من استراتيجية تطوير التعليم العالي.

وأشار إلى إطلاق منصة لغوية وطنية بعدة لغات، وتطوير الإطار القانوني الذي يمنح الجامعات القدرة على ممارسة استقلاليتها بكفاءة ونجاعة.

كما أكدت الجلسة على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الجامعات المغربية يمكن أن يكون قيمة مضافة إذا تم استخدامه بشكل تكميلي ومدروس، مع الاستثمار في تأهيل الأساتذة وتطوير المؤسسات الأكاديمية لضمان الجودة والعدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، مع الحفاظ على الطابع الإنساني والرسالة التربوية التي تمثل قلب العملية التعليمية.

آخر الأخبار