فاجعة فاس تعيد مطلب تحيين الإحصاء الوطني للمباني المتهالكة إلى الواجهة

الكاتب : انس شريد

10 ديسمبر 2025 - 09:30
الخط :

تتصاعد المخاوف وسط آلاف الأسر القاطنة في الأحياء الشعبية بمختلف جهات المملكة مع كل تقلبات جوية أو تساقطات مطرية، في ظل استمرار وجود مساكن هشة وآيلة للسقوط باتت تشكّل تهديداً يومياً لحياة سكانها، رغم الجهود الحكومية المبذولة منذ سنوات لمعالجة السكن غير اللائق.

وتجددت هذه المخاوف بقوة عقب فاجعة فاس الأخيرة، التي أعادت إلى الواجهة سؤال السلامة العمرانية وفعالية البرامج الوطنية الموجهة لمحاربة البناء العشوائي والمباني المتصدعة.

وخلف انهيار بنايتين سكنيتين بحي المستقبل بمدينة فاس، قبيل منتصف ليل الثلاثاء ـ الأربعاء، حصيلة ثقيلة وصلت إلى 22 حالة وفاة و16 مصاباً وفق المعطيات الرسمية، ما أثار موجة واسعة من التعاطف والغضب تجاه استمرار بروز مثل هذه المآسي.

ودعت الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية إلى تحيين الإحصاء الوطني للمباني الآيلة للسقوط في القرى والمدن، معتبرة أن الحادث يستدعي كشف المسؤوليات المحتملة، سواء الإدارية أو السياسية، وتحديد مكامن التقصير والإهمال إن وُجدت.

وشددت قيادة الحزب على أن تفشي البناء خارج الضوابط التقنية يشكل خطراً متفاقماً يهدد آلاف الأسر، داعية إلى تشديد الرقابة والتعامل بحزم مع أي إخلال قد يترتب عنه المساس بحق المواطنين في السكن اللائق.

وأفادت السلطات المحلية بعمالة فاس بأن البنايات المنهارة شُيّدت سنة 2006 في إطار عمليات البناء الذاتي لفائدة قاطني دوار “عين السمن” ضمن برنامج “فاس بدون صفيح”.

وفتحت النيابة العامة تحقيقاً قضائياً موازياً لخبرة تقنية عهد بها إلى مكتب دراسات متخصص، من أجل جمع كافة المعطيات المرتبطة بالحادث وتحديد الأسباب التقنية التي أدت إلى الانهيار، إلى جانب كشف أي اختلالات محتملة في المساطر والضوابط المعتمدة في مجال التعمير.

وأعادت هذه الفاجعة النقاش حول حصيلة البرامج الحكومية الموجهة لمعالجة السكن الآيل للسقوط.

ووفق آخر الأرقام الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أمام البرلمان، فقد تم إحصاء أكثر من 43 ألف بناية مهددة بالسقوط على المستوى الوطني.

وأوضحت الوزيرة أن الحكومة واصلت تنفيذ 84 اتفاقية منذ سنة 2012 لمعالجة هذه الإشكالية، بتكلفة إجمالية بلغت 8.32 مليار درهم، ساهمت فيها الوزارة بـ 2.43 مليار درهم.

وتمت معالجة 26 ألفاً و811 بناية، بنسبة إنجاز بلغت 62 في المئة، فيما لا تزال 16 ألفاً و189 قيد المعالجة.

وأضافت الوزيرة أن الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط قامت سنة 2022 بتشخيص ميداني شامل مكّن من تحديد 74 ألفاً و85 بناية آيلة للسقوط بدرجات متفاوتة من الخطورة، موزعة بين خطر عال بنسبة 57 في المئة، وخطر متوسط بنسبة 32 في المئة، وعوامل هشاشة تمثل 11 في المئة.

وشمل التشخيص 32 مدينة عتيقة أظهرت العديد من النقاط العمرانية الحساسة التي تتطلب تدخلات استعجالية.

وبالموازاة مع هذه الأرقام، تتأهب مدينة الدار البيضاء لاستقبال موسم الأمطار وسط حالة استنفار واسعة، مع إطلاق حملات مكثفة لرصد المنازل المهددة بالسقوط في الأحياء القديمة.

وتقوم لجان مختلطة، تضم السلطات المحلية والمصالح التقنية وأقسام التعمير، بجولات ميدانية لتقييم الوضع البنيوي لمئات البنايات المتصدعة.

وتقول مصادر محلية إن هذه التحركات جاءت إثر توصل السلطات بعدد من الشكايات التي يعبر فيها السكان عن مخاوفهم من تشققات وتصدعات خطيرة باتت تهدد مساكنهم، مما جعل بعض المنازل توصف من قبل قاطنيها بـ"القنابل الموقوتة".

وكشفت مصادر “الجريدة 24” أن اجتماعاً تقنياً رفيع المستوى انعقد مؤخراً خلص إلى تبني مقاربة استباقية أكثر تشدداً، تعتمد على إعداد مخططات للطوارئ ووضع سيناريوهات للتدخل السريع في حال تدهور الوضع بفعل الأمطار.

وتشمل هذه المقاربة تعزيز التنسيق بين مختلف المصالح، واعتماد آليات للإنذار المبكر، واتخاذ قرارات الإفراغ عند الضرورة، خصوصاً في المناطق التي تضم بنايات متهالكة لم تعد قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.

وعبر عدد من سكان الدار البيضاء، خاصة في الأحياء الشعبية، عن رغبتهم في تسريع وتيرة الإفراغ والترميم قبل بداية فصل الشتاء، تجنباً لتكرار سيناريوهات مأساوية مشابهة لما وقع في مدن أخرى.

وانتشرت في الأسابيع الأخيرة صور وفيديوهات توثق لحالة بنايات متصدعة في مقاطعات آنفا ودرب السلطان الفداء وسيدي عثمان، وسط مطالب بتوفير اعتمادات مالية إضافية لعمليات الترميم أو إعادة الإسكان.

وفي سياق متصل، دعا يوسف الرخيص، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، خلال دورة استثنائية الأخيرة للمجلس، إلى تحسين أوضاع السكان القاطنين في المنازل المتداعية وعلى رأسهم سكان درب مولاي الشريف، مؤكداً أن الوضع يحتاج إلى حلول جذرية تتجاوز التدخلات الظرفية، وتأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والإنساني لهذه الفئات.

وبينما تشكّل التدخلات الحالية خطوة مهمة نحو تعزيز السلامة العمرانية، يرى عدد من المتابعين أن الحل الحقيقي يكمن في اعتماد رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار إعادة تأهيل الأحياء القديمة، وتعويض المباني الخطرة بمشاريع سكنية حديثة، إلى جانب مواكبة اجتماعية للأسر المتضررة حتى لا تجد نفسها في مواجهة الهشاشة والتشرد.

وفي انتظار نتائج التحقيقات الجارية، تبقى فاجعة فاس جرس إنذار جديد يدعو إلى مراجعة عميقة لسياسات التعمير والسكن، تفادياً لتكرار كوارث قد تكون أكثر مأساوية في مدن أخرى.

آخر الأخبار