وسط غموض ملف الإصلاح.. مطلب الرفع من المعاشات يضغط من جديد على الحكومة
تعيش منظومة التقاعد في المغرب على وقع نقاش اجتماعي متصاعد، بعدما عاد ملف الإصلاح إلى الواجهة بقوة في ظل مؤشرات مقلقة تُنذر بقرب دخول الصناديق مرحلة عجز يهدد استمراريتها خلال السنوات القليلة المقبلة.
وبينما تتحدث الحكومة عن ضرورة التعجيل بإصلاح شامل لتفادي انهيار المنظومة، تصر المركزيات النقابية على رفض أي تصور يُحَمِّل الأجراء تبعات الاختلالات التقنية والمالية التي راكمتها الأنظمة الحالية عبر عقود.
وتزامن هذا الجدل مع خروج الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الميلودي موخاريق، بتصريحات قوية أكدت أن إصلاح التقاعد “لن يمر على حساب العمال”، وأن حماية حقوق الشغيلة والمتقاعدين “خط أحمر لا يقبل المساومة”.
وفي كلمة ألقاها خلال ندوة حول أنظمة التقاعد، يوم أمس الأربعاء، دعا موخاريق إلى تحسين أوضاع المتقاعدين، معتبرًا أن جزءًا واسعًا منهم يعيش ظروفًا صعبة بسبب ضعف المعاشات، مقابل مشاريع حكومية كبرى تتطلب ميزانيات ضخمة كان من الممكن، حسب رأيه، أن تراعي الطبقة العاملة قبل الإقدام عليها.
واعتبر موخاريق أن رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا، كما تتجه الحكومة إلى اقتراحه، إجراء غير مقبول، منتقدا في نفس الوقت لضعف المعاشات التي لا تتجاوز 1500 درهم.
وفي سياق دفاعه عن مطالب الشغيلة، أكد الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل أن نقابته سبق أن دعت إلى زيادة بنسبة 5 في المائة في معاشات المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، معتبرًا أن تحسين دخل المتقاعد يجب أن يشكل نقطة محورية في أي إصلاح مستقبلي.
وشدد على أن “إصلاح التقاعد كما تتصوره الحكومة سيؤدي إلى نتائج أسوأ للعمال”، مبرزًا أن النقابة أبلغت رئيس الحكومة برفضها للصيغة الحالية المقترحة.
وتتزامن هذه المواقف مع صدور تقارير رسمية تُظهر حجم الورطة التي تواجهها صناديق التقاعد، حيث كشف المجلس الأعلى للحسابات أن احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد قد تنفد في أفق عام 2028، ما لم تُتخذ إجراءات استعجالية لإعادة التوازن للمنظومة.
كما سجّل الصندوق عجزًا تقنيًا بلغ 9.8 مليارات درهم سنة 2023، وهو رقم يعكس هشاشة الوضع المتراكم منذ سنوات، ويعزز الدعوات إلى إصلاح عميق يتجاوز الحلول الترقيعية السابقة.
ورغم إقرار الحكومة بأن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل، إلا أن النقابات تعتبر أن المقاربات التقنية وحدها لن تحل الأزمة، وتشدد على ضرورة اعتماد رؤية شاملة تراعي العدالة الاجتماعية وتحفظ المكتسبات المهنية دون المساس بقدرة الأجراء والمتقاعدين على العيش الكريم.
وترى المركزيات النقابية أن تحميل فئات واسعة من العاملين كلفة الإصلاح قد يُفاقم منسوب الاحتقان الاجتماعي في ظرف اقتصادي حساس.
وتواجه الحكومة خلال المرحلة المقبلة اختبارًا حاسمًا يرتبط بقدرتها على إيجاد توازن بين ضمان استدامة أنظمة التقاعد وتقديم ضمانات ملموسة للشغيلة بشأن عدم المساس بحقوقها.
ويعتقد مراقبون أن الحوار الاجتماعي سيكون عنصرًا محوريًا في تفادي الانقسامات، وأن الوصول إلى صيغة توافقية يتطلب مجهودًا إضافيًا لإقناع مختلف الأطراف بجدوى التغييرات المطروحة.
وفي ظل غياب توافق واضح بين الحكومة والمركزيات النقابية، يظل مستقبل الإصلاح مفتوحًا على عدة سيناريوهات، خصوصًا أن الأشهر المقبلة قد تشهد تصاعدًا في حدة التوتر الاجتماعي إذا لم يتم التوصل إلى مقاربة تراعي مصالح الأجراء ومستلزمات استدامة الصناديق في الوقت نفسه.
ومع استمرار تشبث النقابات، وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل، بمواقفها الرافضة لأي مس بحقوق المتقاعدين والعمال، فإن مسار إصلاح التقاعد يبدو مرشحًا لمزيد من الجدل قبل أن يتبلور في صيغة نهائية ترضي جميع الأطراف.