النفق البحري بين المغرب وإسبانيا.. دراسات زلزالية جديدة تقرب الحلم من التنفيذ
عاد مشروع النفق البحري الرابط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى واجهة النقاش الاستراتيجي بين البلدين، بعد تأكيد دراسات تقنية حديثة أن هذا الورش الضخم، الذي ظل مطروحاً منذ أكثر من نصف قرن، أصبح قابلاً للتنفيذ من الناحية الهندسية، وقادراً على الانتقال إلى مرحلة ما قبل الأشغال خلال السنوات القليلة المقبلة.
هذا التطور أعاد إحياء الملف داخل الهياكل الحكومية الإسبانية والمغربية، في وقت يشهد فيه التعاون الثنائي زخماً متزايداً على المستويين السياسي والتقني.
وعلى الرغم من الطلبات المتكررة التي وجهتها الصحافة الإسبانية للحصول على تفاصيل مرتبطة بالاتفاقيات الأخيرة، امتنعت وزارة النقل والتنقل المستدام الإسبانية عن تقديم أي توضيحات حول مضمون مذكرة التفاهم الخاصة بالرصد الزلزالي.
ووفقا لتقارير صحفية اسبانية، فقد أثار غياب المعلومات الرسمية انتقادات داخل البرلمان الإسباني، بعدما وقّعت مدريد والرباط أربع عشرة اتفاقية خلال اجتماع رفيع المستوى انعقد في ظرف زمني وجيز ودون تقديم إحاطة إعلامية عقب القمة، الأمر الذي فتح باب التأويلات حول طبيعة المباحثات المتعلقة بمشروع النفق.
وتشير المعطيات التي تداولتها الصحافة الإسبانية إلى أن مذكرة التفاهم الجديدة تستهدف تعزيز البحث العلمي المتعلق بدراسة النشاط الزلزالي والديناميكية الأرضية في منطقة مضيق جبل طارق، المصنفة من بين أكثر المناطق الجيولوجية حساسية بفعل وقوعها في نقطة تقاطع بين الصفيحتين التكتونيتين الإفريقية والأوراسية.
وتمت إحالة تنفيذ الدراسات، حسب التقارير إلى المعهد الجغرافي الوطني في إسبانيا والمركز الوطني المغربي للبحث العلمي والتقني، بما يشمل تبادل المعطيات العلمية وإجراء أبحاث مشتركة حول احتمالات وقوع الزلازل والتسونامي وتطوير آليات الرصد الآلي في أعماق البحر.
وتشكل هذه الدراسات مرحلة مفصلية بالنسبة لمشروع النفق البحري، خاصة أن السنوات الماضية شهدت إعادة تفعيل للهيئة الإسبانية المكلفة بدراسة الاتصالات الثابتة عبر المضيق، والتي عادت إلى إطلاق مناقصات لاقتناء معدات متطورة في ميادين الجيوفيزياء والجيوديسيا والهيدروغرافيا.
ويعكس هذا النشاط المتزايد، حسب التقارير، رغبة في توفير قاعدة علمية دقيقة تسمح بتحديد جدوى المشروع على أسس تقنية محدثة، خصوصاً في ظل التطورات التي عرفتها تكنولوجيا الحفر تحت البحر خلال العقد الأخير.
وفي السياق ذاته، أكدت تقارير إعلامية إسبانية أن الاتفاق الأخير بين البلدين يشكل مرحلة جديدة في مسلسل إعادة تقييم الجدوى العلمية والهندسية للمشروع، خاصة أن الربط القاري بين أوروبا وإفريقيا تحول إلى واحد من الملفات الاستراتيجية التي تحظى بأولوية ضمن التعاون الثنائي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تنفيذ الدراسات المبرمجة سيتم على مدى ثلاث سنوات قابلة للتمديد، على أن تشمل الدراسات البحرية العميقة وتحليل البيانات الزلزالية وإعداد خرائط جيولوجية محدثة للمسار المقترح للنفق.
ورغم الزخم التقني والعلمي الذي يشهده الملف، لا يزال المشروع بعيداً عن مرحلة التنفيذ الميداني.
وتشدد السلطات الإسبانية والمغربية، على أن الحسم في الجدوى النهائية للنفق سيحتاج إلى سنوات إضافية من البحث، بالنظر إلى الكلفة المالية الضخمة وتعقيد البنية الجيولوجية للمسار البحري.
وتشير التوقعات الإسبانية إلى احتمال انطلاق أولى عمليات الحفر الفعلية سنة 2030 في أفضل السيناريوهات، مع إمكانية اكتمال المشروع ما بين سنتي 2035 و2040، وبكلفة تتجاوز ثمانية مليارات ونصف المليار يورو على الجانب الإسباني فقط، تشمل النفق الرئيسي والمنشآت المرافقة له.
ويأتي هذا الاهتمام المتجدد في سياق التطور الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية منذ سنة 2023، حيث أصبح مشروع النفق البحري جزءاً من مسار التعاون الاستراتيجي في قطاعات الطاقة والربط السككي والخدمات اللوجيستية.
ويراهن الجانبان على أن الربط القاري، في حال تنفيذه، سيشكل ثورة في حركة الأشخاص والبضائع بين أوروبا وإفريقيا، وسيفتح آفاقاً اقتصادية جديدة على المستوى الإقليمي والدولي، بالنظر إلى موقع المضيق باعتباره واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم.