كتاب جواسيس الرئيس: المغرب شريك موثوق والمخابرات الجزائرية عبء استراتيجي
سمير الحيفوفي
الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المغربية تعد من بين الأكثر فعالية في القارة الإفريقية، ما يجعلها شركاء أفضل لنظيرتها الفرنسية، بدل الجزائرية التي تعاني من هشاشة مزمنة وعدم الاستقرار واستبداد الارتياب، وفق ما جاء في كتاب "جواسيس الرئيس: أسرار وإخفاقات الاستخبارات في عهد ماكرون" (Les Espions du président: secrets et échecs du renseignement sous Macron).
استخبارات جزائرية مرتابة وهشة
بين دفتي الكتاب الصادر عن دار " Albin Michel" على 208 صفحة والذي صاغه كلا من " Antoine Izambard" و" Pierre Gastineau"، انتقاد لاذع للأجهزة الاستخباراتية الجزائرية من منظور نظيرتها الفرنسية، إذ تراها شريكا "غير موثوق" بل تعتبرها "طرفا مشتبها في ازدواجيته"، وهي اعتبارات ترسخت كثيرا في عهدة "عبد المجيد تبون"، الرئيس الجزائري الحالي.
وحسب الكتاب الذي جاء في شكل تحقيق مطول فإن أجهزة الاستخبارات الجزائرية، تعكس منظومة تعاني هشاشة مزمنة، كما أنها مطبوعة بحالة من عدم الاستقرار، وهاجس دائم من الارتياب، على أن حجب المعلومة عن الشركاء في مواجهة تهديدات مشتركة مثل الإرهاب، أضحى نهجا مؤسساتيا، بشكل يجعلها عبئا استراتيجيا.
وكشف "Antoine Izambard" و" Pierre Gastineau"، أن الاستخبارات الفرنسية لا تعتبر الاستخبارات الجزائرية شركا موثوقا، بقدر ما تراها غير مأمونة الجانب، إذ أنها تسخر التعاون الأمني أساسا لأغراض الرصد والمناورة، أكثر مما تعده أداة لمواجهة مشتركة للتهديدات، وهو ما جعل الاستخبارات الجزائرية عامل قصور وهشاشة أمنية في التحالفات المبرمة بدل أن تكون رافعة استراتيجية.
أجهزة مغربية فعالة وموثوقة
على النقيض من الجزائر، يبرز المغرب كخيار استراتيجي واضح لفرنسا إذ أن "الأجهزة المغربية تعد من بين الأكثر فعالية في القارة الإفريقية، ما يجعلها شركاء أفضل"، رغم المناوشات التي نسبت بين الطرفين في ذروة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، والتي تم كتابة نهايتها في 30 يوليوز 2024، بعد اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء، عبر رسالة بعث بها "إيمانويل ماكرون" الرئيس الفرنسي إلى الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الـ25 لعيد العرش المجيد.
ولفت "Antoine Izambard" و" Pierre Gastineau"، الانتباه إلى أن الاستخبارات الجزائرية اعتبرت الموقف الفرنسي المعبر عنه معاديا، فكان أن انقطع التعاون مع نظيرتها الفرنسية، حتى أصبح الأمر أكثر قتامة، وهو ما عبر عنه مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية حينما قال إن مستوى التعاون العملياتي، مع الجزائر، في مجال مكافحة الإرهاب بلغ "أدنى مستوياته على الإطلاق".
ووفق الكتاب فإن القطيعة بين الاستخبارات الفرنسية والجزائرية عطلت التعاون في مكافحة الإرهاب لكن الجانب الفرنسي لا يأسف لذلك حقا، إذ ينقل المؤلفان عن مسؤول سابق في الاستخبارات الخارجية قوله إن "التعاون مع الجزائر لم يقدم تقريبا أي قيمة مضافة البتة".
صراع وتورط في الإرهاب
استحضر كتاب "جواسيس الرئيس: أسرار وإخفاقات الاستخبارات في عهد ماكرون"، حالة العداء المزمنة مع الجنرال محمد مدين، المعروف بـ"توفيق"، الرجل القوي السابق في الاستخبارات الجزائرية، الذي يُتهم برفض التعاون في ملفات حساسة، من بينها تعقب الإرهابي "إياد غالي"، بل إن مصادر استخباراتية فرنسية تؤكد أن "توفيق" كان يستعمل هذه الملفات فقط لاختبار قدرات باريس الاستخباراتية، كما حدث في ملف "عبد المالك دروكدال"، زعيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، الذي قتل سنة 2020.
ووفق مؤلفي الكتاب فإن الاستخبارات الجزائرية تعاني أيضا من عدم استقرار بنيوي، تفضحه التغييرات المتكررة على رأس أجهزتها، وقد شكل تعيين الجنرال "عبد القادر آيت أوعربي"، في ماي الماضي، خامس تعيين في منصب مدير الأمن الداخلي منذ وصول "عبد المجيد تبون" إلى الحكم في دجنبر 2019، ما يعكس هشاشة المنظومة الأمنية والاستخباراتية ككل.
وحسب نفس المصدر فإن المغرب يفرض نفسه كحليف منظم ويمكن التنبؤ بسلوكه، في حين تظل الجزائر أسيرة انقساماتها الداخلية، وضبابية أجهزتها، وثقافة الارتياب، وهو ما يقوض أي تعاون استراتيجي عميق ومستدام، انسجاما والتغير الحاسم في عقيدة فرنسا وتحالفاتها الأمنية في المغرب العربي الكبير.