من إعفاءات اللحوم إلى دعم الأعلاف.. ضغط برلماني لكشف الخبايا واتهامات بهدر المال العام

الكاتب : انس شريد

14 ديسمبر 2025 - 10:30
الخط :

يستمر ملف ما بات يُعرف في الخطاب السياسي والإعلامي المغربي بـ“الفراقشية” في إثارة مزيد من الجدل داخل قبة البرلمان وخارجها، بعدما تحوّل من توصيف عابر إلى عنوان عريض لاختلالات بنيوية تمس منظومة الدعم العمومي الموجهة لقطاع تربية الماشية واستيراد اللحوم، في سياق يتسم بارتفاع غير مسبوق للأسعار وتزايد الضغط الاجتماعي على القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا الإطار، عاد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بوانو، إلى واجهة النقاش البرلماني، مؤكداً عزمه عدم طي هذا الملف، بعدما وجّه سؤالاً كتابياً إلى الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، استحضر فيه مقتضيات قانون المالية لسنة 2025 التي أقرت إعفاءً جمركياً وضريبياً لفائدة لحوم وأحشاء الأبقار والضأن والماعز والجمال، سواء كانت طازجة أو مبردة أو مجمدة، عند الاستيراد.

وساءل بوانو الحكومة عن القيمة الإجمالية لهذه الإعفاءات، وحجم المبالغ التي تم التخلي عنها لفائدة المستوردين خلال فترة تطبيق الإجراء، داعياً إلى الكشف عن أثمنة استيراد اللحوم والبلدان الموردة، في خطوة اعتبرها متتبعون محاولة لفتح هذا الملف على مصراعيه أمام الرأي العام، خصوصاً في ظل غياب أثر ملموس لهذه الإعفاءات على أسعار اللحوم في الأسواق الوطنية.

ولم يكتف النائب البرلماني بذلك، بل ذهب إلى تفصيل دقيق في أنواع وقطع لحوم الأبقار المستوردة، مستفسراً عن أسعارها الحقيقية، من قطع فاخرة مثل الفيليه والأنتركوت والريب آي والتي-بون، إلى قطع موجهة للاستهلاك اليومي كالكَتف، واللحم المفروم، والطاجين بعظمه وبدونه، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة الشكوك حول استفادة فئات محدودة من هذه الامتيازات دون انعكاسها على المستهلك النهائي.

وتزامن هذا التحرك مع انتقادات متصاعدة من فرق برلمانية أخرى، من بينها فريق التقدم والاشتراكية، الذي دق بدوره ناقوس الخطر بشأن ما وصفه بـ“المستفيدين غير المستحقين” من الدعم العمومي المخصص لمربي الماشية.

ففي سؤال كتابي وُجّه إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، اعتبر النائب أحمد العبادي أن مليارات الدراهم التي رُصدت لدعم الأعلاف لم تحقق الهدف المنشود، بعدما تزامن صرفها مع ارتفاع مهول في الأسعار، ما جعل الجزء الأكبر من الدعم يذوب في حلقة المضاربة ولا يصل إلى الكساب الصغير الذي وُضع البرنامج أساساً من أجله.

واعتبر العبادي أن هذا الوضع يعكس دخول لوبيات تجارية على خط الدعم، مستغلة ارتفاع الطلب بعد الإعلان عن البرامج الحكومية، وهو ما وصفه بمحاولة “اقتناص الدعم العمومي بوسائل غير مشروعة”، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات يهدد بشكل مباشر أهداف البرنامج الملكي الرامي إلى إعادة تكوين القطيع الوطني، ويؤدي إلى هدر المال العام دون أثر فعلي على الإنتاج أو الأسعار.

ويعكس هذا التراكم في الأسئلة البرلمانية أن الجدل حول “الفراقشية” تجاوز بكثير حدود المصطلح، ليصبح مدخلاً لنقاش أعمق حول حكامة الدعم العمومي وشفافية توجيهه، خاصة في ظل تمرير الحكومة، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، تعديلات وُصفت بالمثيرة في اللحظات الأخيرة.

فقد صادق البرلمان على وقف استيفاء رسم الاستيراد على الحيوانات الحية من فصيلة الأبقار والجمال إلى غاية 31 دجنبر 2026، في حدود 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الجمال، وهو إجراء بررته الحكومة بتراجع قطيع الأبقار بنسبة تقارب 30 في المائة، واعتماد السوق الوطنية بشكل كبير على لحوم الأبقار التي تمثل نحو 80 في المائة من استهلاك اللحوم الحمراء.

غير أن هذا التبرير لم يُقنع معارضي الحكومة، الذين رأوا في هذه الإعفاءات امتداداً لسياسة دعم الاستيراد دون معالجة جوهر الأزمة المرتبطة بتكاليف الإنتاج وضعف المراقبة، معتبرين أن المستفيد الأول يظل فئة الوسطاء والمضاربين، في وقت لا يزال فيه المواطن يواجه أسعاراً ملتهبة، والكساب الصغير يكابد صعوبات متراكمة تهدد استمراريته.

وفي السياق ذاته، أعاد عبد الله بوانو طرح ملف آخر لا يقل حساسية، يتعلق بتسييس الدعم الفلاحي، محذراً من ممارسات قال إنها تقوم على توزيع انتقائي للدعم في بعض المناطق، تغلب فيه الولاءات الحزبية والانتماءات السياسية على معايير الاستحقاق والحاجة.

وأكد أن لوبيات محلية استغلت هشاشة الفلاحين الصغار وحاجتهم إلى البذور والأسمدة وأنظمة الري، لتحويل الدعم إلى أداة لبناء قواعد انتخابية بدل أن يكون رافعة للتنمية القروية.

في المقابل، سبق أن دافعت وزارة الفلاحة عن مقاربتها، مشددة على أن اعتماد الرقمنة مكّن من صرف أربعة مليارات درهم لفائدة أزيد من 912 ألف كساب في ظرف ثلاثة أسابيع فقط، معتبرة أن هذه العملية تمت في إطار من الشفافية، وبآليات تقلص من تدخل الوسطاء.

غير أن حجم هذه الأرقام وسرعة التنفيذ أعادا، في نظر المراقبين، طرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة المنظومة الحالية على ضمان تكافؤ الفرص، خاصة في المناطق الهشة التي يبقى فيها الفلاح الصغير الحلقة الأضعف.

وبين دفاع الحكومة وتصاعد الانتقادات البرلمانية، يظل ملف دعم الأعلاف واستيراد اللحوم أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في المشهد السياسي والاقتصادي المغربي، في وقت تتقاطع فيه رهانات اجتماعية واقتصادية كبرى مع استحقاقات سياسية دقيقة.

آخر الأخبار