بعد فاجعتي فاس وآسفي.. الدار البيضاء تتحرك وقائيا تفاديا لكوارث الأمطار
في ظل توقعات جوية تشير إلى زخات مطرية رعدية مرتقبة خلال الساعات المقبلة، دخلت مدينة الدار البيضاء مرحلة استنفار وقائي واسع، تزامنا مع تصاعد المخاوف المرتبطة بسلامة البنايات والبنيات التحتية، خاصة بعد الفاجعتين اللتين هزتا مدينتي فاس وآسفي وخلفتا عشرات الضحايا، في مشاهد أعادت إلى الواجهة إشكالية الاستعداد المسبق ومحدودية قدرة بعض الأحياء الهشة على مواجهة التقلبات المناخية.
وفي هذا السياق، دعت عمدة مدينة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، المواطنين إلى التحلي باليقظة والانخراط الإيجابي في الإجراءات الوقائية، مؤكدة، في تدوينة نشرتها على صفحتها الرسمية على فيسبوك، أن السلطات والمصالح المختصة، ورغم اتخاذها لكافة التدابير الاستباقية، تبقى في حاجة إلى تعاون الساكنة من أجل ضمان السلامة العامة.
وأشارت العمدة، معبرة عن شكرها لله على نعمة الأمطار، إلى أن الجهات المعنية تواصل مراقبة النقط السوداء المعرضة لتجمع مياه الأمطار، ومراجعة وضعية البالوعات، وتعزيز عمليات تنظيف ممرات الأزبال، تفاديا لأي اختناقات قد تؤدي إلى فيضانات مفاجئة.
وأكدت المسؤولة الجماعية على أهمية انتباه قاطني العمارات التي تتوفر على مرائب تحت أرضية، داعية إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي تسرب المياه، كما شددت على ضرورة تواصل المواطنين مع مصالح الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات، في حال رصد أي تجمع مائي غير طبيعي أو سيول محتملة بالقرب من مساكنهم أو محلاتهم.
كما دعت، بالنظر للتقلبات الجوية المرتقبة، أصحاب المحلات والبنايات المتوفرة على لوحات وملصقات إشهارية إلى التأكد من تثبيتها بشكل محكم، تفاديا لسقوطها بفعل الرياح القوية المصاحبة للتساقطات.
وبالموازاة مع هذه الدعوات، شهدت الدار البيضاء تحركات ميدانية مكثفة مع بداية التساقطات المطرية، حيث استنفرت السلطات المحلية والمصالح التقنية أطقمها، في إطار حالة تأهب قصوى، شملت إطلاق حملات لمراقبة البالوعات وشبكات تصريف المياه، إلى جانب رصد المنازل الآيلة للسقوط، خاصة بالأحياء القديمة التي تعاني من هشاشة عمرانية مزمنة.
وتباشر لجان مختلطة، تضم السلطات المحلية والمصالح التقنية وأقسام التعمير، جولات ميدانية لتقييم الوضع البنيوي لمئات البنايات المتصدعة، وذلك في إطار مسعى وقائي يهدف إلى تفادي أي انهيارات محتملة قد تخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وتأتي هذه التحركات، بحسب مصادر محلية، عقب توصل السلطات بعدد من الشكايات من سكان أحياء متفرقة، عبروا فيها عن مخاوفهم المتزايدة من تشققات وتصدعات خطيرة باتت تهدد سلامة مساكنهم، إلى درجة أن بعضهم وصف منازله بـ“القنابل الموقوتة” التي قد تنفجر في أي لحظة.
وكشفت مصادر من “الجريدة 24” أن اجتماعا تقنيا رفيع المستوى انعقد مؤخرا، خلص إلى تبني مقاربة استباقية أكثر تشددا في التعاطي مع المخاطر المرتبطة بالأمطار، تقوم على إعداد مخططات طوارئ دقيقة، ووضع سيناريوهات متعددة للتدخل السريع في حال تدهور الوضع، سواء بسبب التساقطات الغزيرة أو بفعل ضعف البنية العمرانية في عدد من الأحياء.
وتشمل هذه المقاربة الجديدة تعزيز التنسيق بين مختلف المصالح المعنية، واعتماد آليات للإنذار المبكر، إلى جانب اتخاذ قرارات الإفراغ عند الضرورة القصوى، خصوصا في المناطق التي تضم بنايات متهالكة لم تعد قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، في ظل تزايد وتيرة الظواهر الجوية القصوى خلال السنوات الأخيرة.
وعبر عدد من سكان الدار البيضاء، لا سيما بالأحياء الشعبية، عن أملهم في أن تترجم هذه التحركات إلى إجراءات ملموسة وسريعة، من خلال تسريع وتيرة الإفراغ والترميم، قبل الدخول الكامل في فصل الشتاء، تفاديا لتكرار سيناريوهات مأساوية مشابهة لتلك التي عاشتها مدن أخرى، وأودت بحياة العشرات وخلفت جراحا غائرة في الذاكرة الجماعية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، انتشرت على نطاق واسع صور ومقاطع فيديو توثق الوضع المتدهور لبنايات متصدعة في مقاطعات آنفا ودرب السلطان الفداء وسيدي عثمان والحي المحمدي، حيث بدت تشققات عميقة وانهيارات جزئية تنذر بالخطر، وسط مطالب متزايدة بتوفير اعتمادات مالية إضافية لعمليات الترميم، أو تسريع برامج إعادة الإسكان لفائدة الأسر القاطنة بهذه المباني.
وفي سياق متصل، دعا يوسف الرخيص، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، خلال دورة استثنائية أخيرة للمجلس، إلى تحسين أوضاع السكان القاطنين بالمنازل المتداعية للسقوط، وعلى رأسهم سكان درب مولاي الشريف، مشددا على أن الوضع القائم يتطلب حلولا جذرية تتجاوز التدخلات الظرفية، وتأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والإنساني، في ظل معاناة فئات واسعة من الهشاشة وانعدام البدائل السكنية الآمنة.
وبينما تشكل التدخلات الجارية خطوة مهمة في اتجاه تعزيز السلامة العمرانية والحد من المخاطر المحتملة، يرى متابعون للشأن المحلي أن المعالجة الحقيقية لهذا الملف تظل رهينة باعتماد رؤية شمولية بعيدة المدى، تقوم على إعادة تأهيل الأحياء القديمة، وتعويض المباني الخطرة بمشاريع سكنية حديثة تستجيب لمعايير السلامة، إلى جانب مواكبة اجتماعية واقتصادية للأسر المتضررة، حتى لا تجد نفسها في مواجهة التشرد أو الهشاشة، كلما هطلت أمطار غزيرة أو تغيرت الأحوال الجوية.