فيضانات آسفي القاتلة.. المعارضة تطالب بالمحاسبة وتفعيل صندوق التعويض

الكاتب : انس شريد

15 ديسمبر 2025 - 10:00
الخط :

خلفت الفيضانات العنيفة التي شهدتها مدينة آسفي منذ يوم أمس الأحد، صدمة واسعة في صفوف الرأي العام الوطني، بعد أن أودت بحياة 37 شخصًا وفق حصيلة مؤقتة، وتسببت في خسائر مادية جسيمة، طالت منازل ومحلات تجارية وبنيات تحتية، خاصة في أحياء المدينة العتيقة والمناطق المنخفضة.

هذه الفاجعة الإنسانية أعادت إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول هشاشة البنية التحتية، وضعف سياسات الوقاية من المخاطر الطبيعية، إلى جانب اتهامات بالإهمال وسوء التدبير الذي تعانيه المدينة منذ سنوات.

وتداول المغاربة على نطاق واسع مشاهد مؤلمة وثّقت غرق مواطنين وسط السيول، وانهيار منازل، وجرف ممتلكات خاصة وعامة، في مشاهد عززت الشعور بالحزن والغضب في آن واحد.

ومع تزايد حجم الخسائر البشرية، تعالت أصوات سياسية وحقوقية تطالب بفتح تحقيقات عاجلة للكشف عن أسباب ما جرى، وترتيب المسؤوليات، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الدعوة إلى تعويض المتضررين واتخاذ إجراءات استعجالية تضمن عدم تكرار مثل هذه الكوارث.

وفي هذا السياق، حمّلت المعارضة البرلمانية الحكومة مسؤولية ما وصفته بتراكم الإخفاقات في مجال الوقاية من المخاطر، خاصة في المدن ذات النسيج العمراني الهش.

وخلال جلسة المساءلة الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة، اليوم الإثنين، أثار النائب البرلماني محمد أوزين، باسم الفريق الحركي، ملف السكن الآيل للسقوط، مذكرًا بأن حياة مئات الآلاف من المغاربة مهددة بسبب هشاشة مساكنهم، وهو معطى سبق التنبيه إليه مرارًا دون أن يقابل بإجراءات عملية كافية، ما أدى، حسب تعبيره، إلى تكرار الفواجع، وكان آخرها ما شهدته مدينة آسفي.

ودعا النائب البرلماني إلى إعلان مدينة آسفي “مدينة منكوبة”، بما يتيح للضحايا الاستفادة من صندوق التعويض عن الكوارث، متسائلًا عن جدوى هذا الصندوق إذا لم يُفعّل في مثل هذه الحالات الاستثنائية.

كما وجّه انتقادات للمرسوم المنظم للتعويض، معتبرًا أن الشروط التي يتضمنها، خاصة المتعلقة بمدة الفيضانات، غير منطقية وتعجيزية، ولا تنسجم مع الواقع، الأمر الذي يفرغ الصندوق من محتواه ويجعل الاستفادة منه شبه مستحيلة.

من جهته، عبّر الفريق الاشتراكي، المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، عن أسفه العميق لما خلفته الفيضانات بإقليم آسفي، إلى جانب فاجعة انهيار عمارتين بمدينة فاس، التي أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا.

وخلال الجلسة نفسها، دعا الفريق الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها كاملة في مجال الوقاية وحماية الأرواح، مؤكدًا أن هذه الكوارث تكشف عن اختلالات بنيوية في التخطيط العمراني وتدبير المخاطر.

وأكد الفريق أن استحضار هذه المآسي في سياق جلسة برلمانية مخصصة لمساءلة الحكومة حول السياسة العامة المرتبطة بالمقاولات الصغرى والصغيرة جدًا، يبرز الترابط الوثيق بين جودة السياسات العمومية وحماية أرواح المواطنين، مشددًا على أن غياب رؤية استباقية في مجال السلامة والوقاية يؤدي إلى كوارث إنسانية تتكرر بوتيرة مقلقة.

ودعا الفريق الاشتراكي إلى رفع مستوى اليقظة بخصوص البنايات القديمة والآيلة للسقوط في مختلف المدن، وتعزيز آليات المراقبة الاستباقية، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكوارث.

كما شدد على ضرورة تفعيل أنظمة الإنذار المبكر في المناطق القريبة من الأودية ومجاري المياه، خاصة في القرى والدواوير الهشة، تفاديًا لتكرار سيناريوهات الفيضانات التي تحصد الأرواح وتعمّق معاناة السكان.

على المستوى المحلي، طالب حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي فرع آسفي بفتح تحقيق فوري وشفاف لتحديد الأسباب الحقيقية والمباشرة للفيضانات، والكشف عن مصير الاعتمادات المالية التي رُصدت سابقًا لمخططات تأهيل المدينة العتيقة ومشاريع البنية التحتية.

وأكد الحزب، في بيان له، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لتقصير واضح وغياب تدابير وقائية فعالة كان ينبغي اتخاذها بشكل استباقي.

وحمّل الحزب المسؤولية للقائمين على تدبير الشأن المحلي، سواء كانوا منتخبين أو معيّنين، معتبرًا أن ما وقع يعكس فشلًا في الحكامة المحلية وسوء توزيع الأولويات.

وأشار إلى أنه سبق أن حذّر، من داخل المجلس الجماعي، من هشاشة عدد من الأحياء، وطالب بتخصيص ميزانيات لإعادة هيكلة البنيات التحتية وترميم المنازل الآيلة للسقوط، غير أن هذه المطالب، حسب البيان، قوبلت بتجاهل وتعنت من طرف الأغلبية المسؤولة.

وأضاف الحزب أن هذه الفاجعة كشفت، مرة أخرى، الفجوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية والواقع المعيش للساكنة، مشيرًا إلى أن عددًا من المشاريع المعلن عنها لا تعود فوائدها إلا على فئات محدودة، في ظل غياب أثر ملموس على تحسين ظروف عيش السكان، وذلك أمام ما وصفه بـ”الحياد السلبي” للسلطات المحلية.

وتعيد فاجعة آسفي، بكل أبعادها الإنسانية والسياسية، طرح أسئلة جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية في مجال الوقاية من المخاطر الطبيعية، ومدى إدماج مقاربة السلامة في التخطيط العمراني، وحول حدود المسؤولية في تدبير الشأن المحلي والوطني.

كما تعزز المطالب بضرورة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات، ويجنب المدن المغربية تكرار مآسٍ إنسانية مماثلة.

آخر الأخبار