حديقة عين السبع بين حلم البيضاويين ونار الجدل حول ثمن الولوج
تستعد مدينة الدار البيضاء لوضع حد لواحد من أطول وأبرز المشاريع الحضرية المثيرة للجدل، مع اقتراب موعد افتتاح حديقة عين السبع خلال الأسبوع الأخير من شهر دجنبر الجاري، بعد مسار طويل من الانتظار انطلق منذ بداية أشغال إعادة التهيئة سنة 2014، وتخللته سنوات من التعثرات التقنية والتأجيلات الإدارية التي جعلت المشروع محط نقاش عمومي واسع داخل العاصمة الاقتصادية.
ويأتي هذا الافتتاح المرتقب ليعيد إلى الواجهة أحد الفضاءات التي ارتبطت بذاكرة أجيال من البيضاويين، في سياق تعرف فيه المدينة خصاصًا ملحوظًا في الفضاءات الخضراء والترفيهية الكبرى، ما جعل حديقة عين السبع تحظى باهتمام خاص من طرف الساكنة والمتتبعين للشأن المحلي، باعتبارها متنفسًا بيئيًا واجتماعيًا طال انتظاره.
وأعلنت عمدة مدينة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، عن قرب افتتاح حديقة الحيوانات الجديدة قبل نهاية شهر دجنبر، مؤكدة، في تدوينة نشرتها على حسابها الرسمي على الفيسبوك، أن كل الشروط باتت متوفرة للشروع في استقبال الزوار، وأنه “لا يوجد سبب لعدم افتتاح الحديقة قبل نهاية هذا العام”، مشيرة إلى تعبئة مختلف الوسائل التقنية واللوجستيكية اللازمة لإنجاح هذه المرحلة.
غير أن الإعلان عن أسعار تذاكر الولوج إلى الحديقة، والمحددة في 80 درهمًا للفرد الواحد خلال المرحلة الأولى، فتح بابًا واسعًا للجدل وسط الرأي العام المحلي، حيث اعتبر عدد من المواطنين أن هذه التسعيرة لا تراعي القدرة الشرائية لفئات واسعة من سكان المدينة، خاصة في ظل الطابع العائلي للمرفق وكونه موجَّهًا أساسًا للأسر والأطفال.
وفي مقابل هذه الانتقادات، دافعت الجماعة عن التسعيرة المعتمدة، معتبرة أن أي تخفيض محتمل سيترتب عنه ارتفاع كبير في كلفة دعم الحديقة، قد تصل إلى حوالي 40 مليون درهم سنويًا، وهو ما يفوق الإمكانيات المالية المرصودة لهذا الغرض، مؤكدة في الوقت نفسه أن الأسعار ستخضع للتقييم بعد مرور سنة على الافتتاح، وفق شروط ومعايير محددة.
ويُنتظر أن يتم الافتتاح الرسمي لحديقة الحيوانات خلال الأيام الأخيرة من شهر دجنبر 2025، بعد سلسلة طويلة من الأشغال وإعادة التهيئة التي تابعها البيضاويون بترقب كبير، آملين أن يشكل المشروع إضافة نوعية للبنية الترفيهية والبيئية للمدينة، رغم استمرار النقاش حول كلفة الولوج والاستفادة.
ولا يقتصر الجدل الدائر على سعر التذكرة فقط، بل يمتد ليشمل طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد في تدبير الحديقة، حيث أفادت مصادر الجريدة 24 بأن العائدات الناتجة عن الأنشطة الملحقة، من قبيل الأكشاك والمطاعم والمتاجر ومحلات الهدايا والفضاءات الترفيهية، ستؤول مباشرة إلى الشركة المفوض لها تدبير المشروع، وفق ما تنص عليه مقتضيات الاتفاقية المؤشر عليها في بداية سنة 2025 من طرف وزارة الداخلية.
وأكدت مصادر مطلعة أن هذه العائدات لا تدخل ضمن مداخيل الجماعة، بل تذهب إلى الشركة المكلفة بالتدبير، في وقت ستواصل فيه الجماعة تقديم دعم سنوي لتغطية جزء من تكاليف الاستغلال، والتي ستتجاوز 20 مليون درهم.
وفي هذا السياق، عبّر عدد من النشطاء والمهتمين بالشأن المحلي، عبر تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، عن تخوفهم من الأعباء المالية الإضافية التي قد يتحملها الزوار داخل الحديقة، معتبرين أن كلفة الترفيه لن تتوقف عند ثمن التذكرة، بل ستشمل مصاريف أخرى مرتبطة بالخدمات المرافقة، ما قد يرفع من إجمالي الإنفاق بالنسبة للأسر بشكل ملحوظ.
وتأتي إعادة تأهيل حديقة عين السبع في إطار رؤية حضرية أوسع تروم تعزيز جاذبية الدار البيضاء واستعادة مكانتها كوجهة بيئية وسياحية، خاصة أن هذا الفضاء كان لعقود جزءًا من الهوية الحضرية للمدينة وملاذًا مفضلاً للعائلات، قبل أن يدخل مرحلة الإغلاق وإعادة البناء.
ويمتد المشروع على مساحة تقدر بحوالي 13 هكتارًا، خُصصت عشرة منها لإيواء الحيوانات، موزعة على ثلاث مناطق رئيسية تحاكي بيئات قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا، في مقاربة ترمي إلى تقريب الزائر من التجارب المعتمدة في حدائق الحيوانات العالمية، مع احترام شروط الرفق بالحيوان والبعد التربوي.
ويضم الفضاء الجديد أكثر من 300 حيوان ينتمون إلى 75 نوعًا مختلفًا، جرى توزيعهم داخل فضاءات صُممت لمحاكاة بيئاتهم الطبيعية، إلى جانب إحداث مزرعة تعليمية، ومركز بيطري حديث، ومناطق مخصصة للراحة والتنزه، فضلاً عن مطاعم ومقاهٍ وأروقة تربوية موجهة للأطفال والعائلات، في محاولة لجعل الحديقة فضاءً متكاملاً يجمع بين الترفيه والتعلم والتوعية البيئية.
وبين آمال الساكنة في استعادة فضاء طبيعي طال انتظاره، واستمرار النقاش حول كلفة الولوج ونموذج التدبير، يبقى افتتاح حديقة عين السبع حدثًا بارزًا في المشهد الحضري للدار البيضاء، يُرتقب أن يختبر، في أولى محطاته، قدرة المدينة على التوفيق بين الطموح البيئي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.