صفقات بالملايين مع المؤثرين تفجر جدلا برلمانيا حول سياسة الترويج السياحي
فجّر ملف المرشدين السياحيين غير النظاميين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، نقاشًا سياسيًا حادًا كشف عن توتر متصاعد بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما وجّه المستشار البرلماني عبد الرحمان الوافا انتقادات مباشرة لوزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، متهمًا إياها بتجاهل معاناة مئات المرشدين السياحيين، مقابل تركيز الوزارة على حملات ترويجية تعتمد بشكل متزايد على المؤثرين وصناع المحتوى، عبر صفقات بملايين الدراهم، دون أثر ملموس على أوضاع الفاعلين الحقيقيين في الميدان.
وخلال مداخلته، اعتبر الوافا أن السياسة الحالية لوزارة السياحة تكشف عن مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار تثمين الرأسمال البشري، والممارسات العملية التي تهمّش المرشدين السياحيين، رغم كونهم الواجهة المباشرة للوجهة المغربية.
وأوضح أن الحديث يدور عن مهنيين راكموا سنوات طويلة من الخبرة، ويتقنون عدة لغات، ويواكبون السياح بشكل يومي داخل المدن العتيقة والمواقع التاريخية، دون أن يستفيدوا من أي حماية اجتماعية أو إدماج قانوني، في وقت يتم فيه توجيه اعتمادات مالية ضخمة نحو حملات رقمية يقودها مؤثرون، بعضهم لا يملك أي تكوين سياحي أو معرفة دقيقة بخصوصيات التراث المغربي.
واعتبر المستشار البرلماني أن الاعتماد المفرط على المؤثرين في الترويج السياحي، عبر صفقات وصفها بالضخمة، يطرح تساؤلات جدية حول النجاعة والشفافية، خاصة في ظل غياب تقييم واضح لمدى تأثير هذه الحملات على الاقتصاد المحلي، وعلى تحسين ظروف اشتغال الفاعلين المهنيين.
وأكد أن المرشد السياحي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل عنصر أساسي في خلق القيمة المضافة، وتنشيط الدورة الاقتصادية، ودعم الصناعة التقليدية والمطاعم ووسائل النقل، وهو ما يجعل تهميشه خيارًا مكلفًا على المدى المتوسط والبعيد.
وفي مقابل ذلك، أكدت وزيرة السياحة أن قطاع الإرشاد السياحي يحظى بأهمية خاصة ضمن الاستراتيجية الوطنية للسياحة، باعتباره عنصرًا محوريًا في تثمين التراث الطبيعي والثقافي وتحسين تجربة السائح.
وأوضحت أن الوزارة واعية تمام الوعي بالدور الذي يضطلع به المرشدون السياحيون، مبرزة أن الإطار القانوني المنظم للمهنة، المتمثل في القانون المتعلق بالإرشاد السياحي، يهدف إلى تنظيم القطاع والرفع من جودة خدماته، عبر فرض التكوين الأولي والتكوين المستمر لضمان الكفاءة والمهنية.
وأشارت الوزيرة إلى أن النص القانوني أقر فترة انتقالية لتسوية وضعية الأشخاص الذين راكموا تجربة ميدانية دون التوفر على شرط التكوين، مبرزة أن الوزارة نظمت امتحانين مهنيين في هذا الإطار، الأول سنة 2018، والثاني سنة 2023، وأسفرا عن تسليم آلاف الاعتمادات، تحت إشراف لجان ترأسها ولاة وعمال الأقاليم، وضمت ممثلين عن السلطات المحلية والمهنيين والمندوبيات الجهوية للسياحة.
واعتبرت أن عدد المرشدين السياحيين المتوفرين حاليًا كافٍ لمواكبة الطلب المتزايد على الخدمات السياحية.
غير أن هذا التوضيح لم يخفف من حدة الانتقادات داخل المجلس، حيث عبّر عدد من المستشارين، في تعقيبات مباشرة وكواليس الجلسة، عن استغرابهم مما وصفوه بعجز الوزيرة عن تقديم أجوبة دقيقة حول وضعية مئات المرشدين الذين ما زالوا خارج الإطار القانوني، رغم توفرهم على خبرة طويلة ومعرفة دقيقة بالمجال السياحي.
وذهب بعضهم إلى اعتبار تجاهل التعقيب البرلماني حول هذا الملف مساسًا بدور المؤسسة التشريعية واستخفافًا بالبعد الاجتماعي للقطاع.
وأعاد هذا النقاش إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول أولويات السياسة السياحية، خاصة في ظل اعتماد الوزارة بشكل متزايد على صناع المحتوى والمؤثرين في الحملات الترويجية، عبر صفقات تواصلية بملايين الدراهم، يرى منتقدون أنها لا تحقق دائمًا الأثر المرجو، في مقابل استمرار تهميش الفاعلين الميدانيين الذين يشكلون الواجهة الحقيقية للسياحة المغربية.
واعتبر الوافا أن هذا التوجه يطرح إشكالًا حقيقيًا في منطق الاختيارات، متسائلًا عن جدوى الاستثمار في الحملات الرقمية، مقابل إقصاء كفاءات بشرية جاهزة تشتغل في الميدان وتحتاج فقط إلى إطار قانوني منصف.