دراسات تحسم نفق المغرب–إسبانيا.. إنجاز في 10 سنوات واستثمارات بـ15 مليار أورو
عاد مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا إلى صدارة الاهتمام السياسي والاقتصادي في ضفتي المتوسط، بعدما أكدت تقارير إعلامية إسبانية، من بينها صحيفتا “أس” و“إلكونفيدينثيال”، أن الدراسات التقنية المحدثة حسمت بشكل واضح في جدوى إنجاز نفق سككي تحت مضيق جبل طارق، مع تحديد إطار زمني واقعي للتنفيذ يمتد لعشر سنوات كاملة، واستثمارات قد تصل إلى نحو 15 مليار يورو، في مشروع يُعد من أضخم الأوراش الهندسية المرتقبة في أوروبا وإفريقيا.
وبحسب ما أوردته التقارير الإعلامية الإسبانية ذاتها، فإن مشروع الربط القاري، الذي يفصل بين المغرب وإسبانيا عند أقرب نقطة مسافة لا تتجاوز 14 كيلومتراً، تجاوز مرحلة الشكوك التقنية التي رافقته لعقود، بعدما خلصت دراسة أنجزتها شركة ألمانية رائدة عالمياً في حفر الأنفاق إلى أن إنجاز النفق ممكن بالاعتماد على التكنولوجيا والهندسة المتوفرة حالياً، رغم التعقيدات الجيولوجية والبحرية التي تميز مضيق جبل طارق.
وأفادت المصادر الإعلامية الإسبانية، نقلاً عن خلاصات الدراسة، أن المرحلة الأولى من المشروع قد تستغرق ما بين ست وتسع سنوات، على أن تمتد المدة الإجمالية للأشغال إلى حوالي عشر سنوات، في حال إعطاء الضوء الأخضر النهائي، مع ترجيح انطلاق الأشغال الميدانية بعد سنة 2030، بينما يُتوقع أن تكتمل أهم مراحل الإنجاز ما بين 2035 و2040، وهي المرة الأولى التي يتم فيها تحديد جدول زمني بهذا الوضوح منذ طرح الفكرة قبل عقود.
ووفق التقارير نفسها، فإن الدراسة التي أنجزتها شركة ألمانية متخصصة في صناعة آلات حفر الأنفاق، بطلب من الجمعية الإسبانية لدراسات الاتصالات الثابتة عبر مضيق جبل طارق، أكدت أن التحدي الأكبر لا يكمن في إمكانية الحفر ذاتها، بل في طبيعة التكوينات الجيولوجية المعقدة، خاصة في منطقة عتبة كامارينال، التي تُعد من أكثر النقاط حساسية بسبب النشاط التكتوني وقوة التيارات البحرية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
وتشير المعطيات التي تداولتها الصحافة الإسبانية إلى أن المشروع سيعتمد في تصميمه على نموذج مشابه لنفق المانش الرابط بين فرنسا وبريطانيا، من خلال إنشاء نفقين متوازيين مخصصين لحركة القطارات في الاتجاهين، إضافة إلى نفق ثالث مركزي مخصص للصيانة وحالات الطوارئ، وهو الخيار الذي اعتبره الخبراء الأكثر أماناً وملاءمة لطبيعة المضيق مقارنة بمقترحات سابقة جرى التخلي عنها.
وحسب ما نشرته وسائل إعلام إسبانية، فإن الطول الإجمالي للنفق قد يصل إلى حوالي 42 كيلومتراً، منها ما يقارب 28 كيلومتراً تحت سطح البحر، مع عمق أقصى قد يتجاوز 470 متراً، ما سيجعل هذا النفق من أعمق الأنفاق السككية في العالم، متجاوزاً نفق المانش، ولا تضاهيه من حيث العمق سوى بعض الأنفاق الحديثة في جبال الألب.
وتوضح التقارير ذاتها أن النفق سيربط بين منطقة بونتا بالوما في إقليم قادس جنوب إسبانيا، ومنطقة كاب مالاباطا بمدينة طنجة، على أن يكون مرتبطاً بشبكات السكك الحديدية في البلدين، بما يسمح بنقل المسافرين والبضائع في زمن عبور يُقدر بنحو 30 دقيقة فقط، وهو ما يمنح المشروع بعداً استراتيجياً يتجاوز البعد الرمزي للربط بين قارتين.
وفي الجانب المالي، أبرزت التقارير الإعلامية الإسبانية أن تكلفة المشروع تشكل التحدي الأكبر، إذ تُقدّر الكلفة الأولية للجزء الإسباني وحده بما بين 8.5 و9 مليارات يورو، بينما قد تصل التكلفة الإجمالية إلى ما لا يقل عن 15 مليار يورو بعد احتساب مساهمة الجانب المغربي، إضافة إلى تكاليف الربط بالبنيات التحتية السككية والمصاريف غير المباشرة، وهو رقم يفوق كلفة نفق المانش.
وأشارت المصادر نفسها إلى أن ما تم إنفاقه إلى حدود الآن لا يتجاوز مبالغ محدودة مخصصة للدراسات التقنية، حيث لم تتعدَ الاعتمادات الأوروبية المرصودة للدراسات الأولية نحو مليون يورو، في وقت أنفقت فيه الشركة الإسبانية المكلفة بالملف أكثر من 53 مليون يورو على مدى أربعة عقود دون الانتقال إلى مرحلة الأشغال، ما يعكس حجم التعقيد الذي رافق المشروع منذ انطلاق فكرته.
وبحسب ما أوردته الصحافة الإسبانية، فإن الخطوات المقبلة تشمل استكمال التصميم الأولي المُحدّث للبنية التحتية من طرف شركة استشارية عمومية إسبانية، مع إنجاز دراسات جيولوجية إضافية، على أن يتم تقديم النسخة النهائية من هذا التصميم في أفق سنة 2026، تمهيداً لاتخاذ القرار السياسي النهائي سنة 2027 بشأن إطلاق المشروع من عدمه.
وترى التقارير الإعلامية الإسبانية أن عودة المشروع إلى الواجهة في هذا التوقيت لا تنفصل عن السياق السياسي الجديد الذي يميز العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة في ظل التقارب غير المسبوق بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، والدعم الإسباني لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وما تبعه من تعزيز التعاون الثنائي في ملفات استراتيجية كالهجرة والطاقة والبنية التحتية.
وخلصت الصحافة الإسبانية إلى أن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، ورغم كلفته العالية وتعقيداته التقنية، لم يعد مجرد فكرة نظرية أو حلم مؤجل، بل أصبح مشروعا ذا أسس هندسية واضحة وجدول زمني محتمل، ما يجعله مرشحاً لأن يتحول خلال العقود المقبلة إلى أحد أبرز الإنجازات الكبرى.