أمينة المستاري
لم تعد سيول الأودية في المغرب مجرد أحداث موسمية عابرة، تسجل في نشرات الطقس ثم تنسى، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى فواجع إنسانية متكررة، بعد أن جرفت مجاري مائية أحياء سكنية وقرى بأكملها، مخلفة قتلى، مفقودين، وخسائر مادية جسيمة، في مشاهد صادمة أعادت بقوة سؤال المسؤولية والتخطيط العمراني في مواجهة المخاطر الطبيعية.
في كل مرة، يتكرر السيناريو ذاته: أمطار غزيرة في زمن قصير، أودية جافة تستيقظ فجأة، مياه تنحدر من الجبال أو الهضاب بسرعة هائلة، وسكان يجدون أنفسهم في مواجهة سيل لا يرحم.
لكن هذه المرة، يثور وادي الشعبة بآسفي بعد عقود نسي خلالها مجراه الأصلي، ليأتي كالهدير في لحظات ويجرف كل ما وجده أمامه من إنسان وجماد...سيول لم تعرفها المدينة منذ 1927 حين سجلت خسائر مادية وبشرية.
تارودانت ...وادي يجرف ملعبا بلاعبيه
فاجأت السيول الجارفة، يوم 28 غشت الماضي 2019، عشرات الأشخاص بملعب «تزيرت» لكرة القدم، الذي شيد وسط مجرى واد بنواحي إقليم تارودانت، ما أسفر عن مأساة إنسانية أودت بحياة 9 أشخاص وجدوا أنفسهم محاصرين دون أي وسيلة للنجاة وسط أمواج الطوفان، التي جرفتهم وأغرقتهم.
وأثارت هذه الفاجعة آنذاك موجة من الانتقادات اللاذعة، وجهت من جهة إلى السلطات المحلية، بسبب عدم اتخاذها التدابير الاحترازية اللازمة رغم التقلبات الجوية السائدة، وعدم إشعارها الساكنة بخطورة الوضع واحتمال فيضان الوادي، خاصة في ظل صدور نشرة إنذارية حذرت من تساقطات رعدية قوية قد تتبعها سيول جارفة، ومن جهة أخرى، وجهت الانتقادات إلى الجهات الوصية التي وافقت على تشييد ملعب لكرة القدم فوق مجرى الوادي، دون استحضار مخاطر الفيضانات خلال مرحلة الدراسة والتخطيط.
وتسببت هذه السيول في عزل عدد من المناطق المتضررة بجماعة إغرم بإقليم تارودانت، وقطع مجموعة من الطرق، مما زاد من معاناة الساكنة.
طاطا...سيول بلا إنذار
عاشت طاطا فاجعة تابعها الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي وحبست الأنفاس ساعات طوال، بعد أن باغتت السيول السكان خلال ساعات قليلة من التساقطات المطرية. أودية جفت لعقود ولم تستقبل مياها، لكنها وفي لحظات حبلت بحمولة كبيرة من المياه، وتحولت إلى تيارات جارفة لم تترك مجالا للنجاة أو حتى للفرار لركاب حافلة كانت تحاول عبور مقطع طرقي منخفض يمر فوق واد موسمي، قبل أن تفاجئها السيول القادمة من المرتفعات.
دقائق قليلة كانت كافية ليجرف الوادي الحافلة بمن فيها، ليسقط قتلى، ويفقد ضحايا آخرين. عزلت قرى بكاملها بعد أن قطعت السيول الطرق والمسالك.
الحادث لم يفاجئ كثيرا ساكنة المنطقة، فالوادي "له تاريخ"، كما يقولون، لكنه تاريخ لا يستحضر إلا بعد وقوع الكارثة.
الناظور...وديان صغيرة تركت خسائر كبيرة
في إقليم الناظور، لم يكن الخطر قادما من نهر كبير أو حوض مائي ضخم، بل من أودية صغيرة نسبيا: وادي إيموادان، وادي ترغوت، ووادي بوبراهـم.
بعد تساقطات مطرية قوية، فاضت هذه الأودية عن مجاريها، لتجتاح السيول أحياء سكنية وقرى قروية، وغمرت مياه عكرة المنازل وجرفت الأثاث، وحاصرت العائلات داخل بيوتها لساعات طويلة.
الخسائر كانت كبيرة، والتشريد طال عشرات الأسر، في مشهد أكد أن حجم الوادي لا يعكس بالضرورة حجم الخطر.
فاجعة أوريكا...وادي يجرف السياح
في وادي أوريكا، جنوب مراكش، كان المشهد مختلفا في الظاهر، لكنه مأساوي في الجوهر. المنطقة المعروفة بطابعها السياحي ومقاهيها المنتشرة على ضفاف الوادي، شهدت إحدى أعنف الفواجع حين باغتت السيول الزوار والسكان بعد عاصفة رعدية مفاجئة في أعالي الأطلس.
خلال وقت قصير، ارتفع منسوب المياه بشكل مهول، وجرفت السيول سياحا مغاربة، وأغرقت مقاهي ومنشآت بنيت داخل المجرى أو بمحاذاته.
تحولت لحظات الاستجمام إلى سباق مع الموت، حيث حاول البعض التشبث بالصخور والأشجار، فيما جرفت المياه آخرين بعيدا.
فاجعة أوريكا أعادت طرح سؤال السياحة داخل مجاري الأودية، وحدود الترخيص والبناء في فضاءات يعرف الجميع أنها تتحول، في أي لحظة، إلى مجرى جارف.
في مناطق الحوز وأسني، تحمل الأودية الجبلية ذاكرة دامية لا تنفصل عن الحياة اليومية للسكان.
السكان يتحدثون عن "صوت الماء" الذي يسبق الكارثة بدقائق، وعن إدراك متأخر بأن الوادي عاد ليسترجع مجاله الطبيعي.
تمعدرت: قرية في مواجهة السيل
في منطقة تمعدرت، إحدى القرى الجبلية، تحولت السيول إلى فاجعة إنسانية مكتملة الأركان. الوادي الذي يخترق القرية، كان جافا معظم أيام السنة، فاض فجأة بعد أمطار قوية في المرتفعات، ليجرف منازل، ويسقط ضحايا، ويترك عائلات تبحث بين الأنقاض عن مفقوديها.
في تمعدرت، لم يكن هناك واد كبير ولا سدود منهارة، بل فقط مجرى طبيعي تم تجاهل ذاكرته، وبناء امتد داخل مساحته عبر السنين. صور الأطفال والنساء وسط الطين والركام، اختزلت معنى الهشاشة التي تعيشها مئات القرى المغربية أمام غضب الأودية.
وادي البطاح...غير مجراه فترك فاجعة
في إقليم الرشيدية، شهد وادي البطاح فيضانات غير مسبوقة بعد أمطار قوية، أدت إلى تغير مفاجئ في مجرى الوادي، ما تسبب في انهيار منازل طينية وغرق أحياء قروية، واضطرار السكان إلى النزوح المؤقت.
الواقعة أبرزت حقيقة خطيرة: الوادي قد يبدو مستقرا لعقود، لكنه عند أول فيضان كبير يعود إلى مساره الأصلي دون إنذار.
يتفق متتبعون على أن تكرار هذه الفواجع يعود إلى التوسع العمراني داخل مجاري الأودية، غياب أو ضعف خرائط المخاطر، هشاشة البنية التحتية، تغيرات مناخية تزيد من شدة الأمطار في فترات قصيرة...
من أوريكا إلى تمعدرت، ومن طاطا إلى آسفي، تؤكد الوقائع أن الأودية في المغرب تحمل ذاكرة لا تمحوها سنوات الجفاف، ومهما طالت تعود لمجراها الأصلي.