فواجع متكررة تطوق عنق الحكومة وتفضح اختلالات سياسات التعمير والإسكان
تتجدد المخاوف في أوساط آلاف الأسر القاطنة بالأحياء الشعبية والعتيقة بمختلف جهات المملكة مع كل اضطراب جوي أو تساقطات مطرية، في ظل استمرار وجود مبانٍ هشة وآيلة للسقوط تحولت إلى خطر يومي يهدد سلامة السكان، رغم البرامج الحكومية المتعاقبة التي رفعت منذ سنوات شعار القضاء على السكن غير اللائق.
هذه الهواجس عادت بقوة إلى الواجهة عقب الفواجع الإنسانية التي شهدتها مدن فاس وآسفي وألنيف، والتي أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا، مخلفة صدمة واسعة في الرأي العام، ومطرحة بحدة سؤال نجاعة السياسات العمومية المرتبطة بالتعمير، والسلامة العمرانية، والتدخل الاستباقي.
ففي مدينة فاس، هزّ انهيار بنايتين سكنيتين متجاورتين مكونتين من عدة طوابق، خلال ليلة مأساوية من شهر دجنبر، الساكنة المحلية، بعدما أودى الحادث بحياة عدد كبير من المواطنين، من بينهم أطفال، وأدى إلى إصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في مشهد أعاد إلى الأذهان مآسي سابقة ظل القاسم المشترك بينها هو هشاشة البناء، وتقادم المساكن، وتأخر التدخلات الوقائية.
أما في مدينة آسفي وجماعة ألنيف، فقد كشفت الفيضانات الأخيرة عن حجم الهشاشة التي لا تزال تطبع البنية العمرانية بعدد من الأحياء، وعن محدودية قدرة الساكنة على مواجهة الكوارث الطبيعية في غياب شروط السلامة.
أمام توالي هذه الوقائع، دخلت المعارضة البرلمانية على خط النقاش، معتبرة أن ما يحدث لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل يعكس اختلالا بنيويا في تدبير ملف المباني الآيلة للسقوط.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عويشة زلفي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سؤالا كتابيا إلى وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، نبهت فيه إلى خطورة استمرار هذه الظاهرة في ظل غياب سياسة عمومية واضحة وبرامج مندمجة وناجعة بين مختلف المتدخلين.
وأشارت إلى أن استمرار وجود بنايات تفتقد لأدنى شروط السكن اللائق يكشف ضعف آليات المراقبة والتتبع، ويطرح علامات استفهام حول مدى تفعيل مقتضيات القانون المتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط وقوانين التعمير ذات الصلة.
واعتبرت النائبة البرلمانية أن الخطر المرتبط بهذه المباني تفاقم بفعل تقادم البنايات، والتوسع الحضري غير المتحكم فيه، وفشل بعض البرامج السابقة في بلوغ أهدافها، إلى جانب الارتفاع الكبير في الطلب على السكن مقابل ضعف العرض وغلاء كلفته، بشروط لا تتلاءم مع الإمكانيات المادية للأسر المتضررة.
كما انتقدت بطء المساطر الإدارية، وتعدد المتدخلين، وتعقيد إجراءات إعادة الإيواء، معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في استمرار نزيف الأرواح وتكرار المآسي الإنسانية.
وطالبت بالكشف عن الإجراءات الاستباقية والعاجلة المتخذة للحد من المخاطر، وعن البرامج العملية المعتمدة والاعتمادات المالية المرصودة لها، كما تساءلت عن مصير برامج إعادة تأهيل المدن العتيقة، ومآل الأسر القاطنة بهذه المباني، ومصير الاعتمادات الضخمة التي رُصدت لبرامج محاربة دور الصفيح.
من جهتها، وجهت النائبة البرلمانية خدوج السلاسي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سؤالا كتابيا إلى وزارة الداخلية، على خلفية فاجعة فاس، معتبرة أن ما وقع يعكس خطورة استمرار وضعية بنايات هشة دون معالجة استعجالية، ويطرح بحدة مسألة نجاعة آليات المراقبة القبلية، ووتيرة تنفيذ برامج إعادة التأهيل داخل الأحياء الشعبية والعتيقة.
وطالبت بتوضيح الاستراتيجية الاستعجالية والمتوسطة المدى لمعالجة هذا الملف، وتحيين لوائح المباني الآيلة للسقوط، وتحديد المسؤوليات وفق القانون، تفاديا لتكرار مثل هذه الكوارث.
وفي موازاة ذلك، عبّر حزب التقدم والاشتراكية عن تضامنه مع أسر ضحايا الفيضانات وانهيار المباني، داعيا إلى ضرورة تشديد المراقبة وتطبيق القانون بصرامة في ما يتعلق بقواعد البناء والتعمير، ومحاربة كل الممارسات التي تساهم في تفاقم الهشاشة العمرانية.
كما شدد الحزب على أهمية اعتماد سياسة استباقية حقيقية لتدبير الكوارث الطبيعية، وتحسين البنيات التحتية، وتعزيز وسائل الإغاثة والإنقاذ، مذكرا بضرورة تفعيل نظام تعويض الضحايا المنصوص عليه في القانون المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية، والشروع في إحصاء المتضررين وصرف التعويضات المستحقة.
في خضم هذا الجدل، قدم كاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب بنبراهيم يوم أمس الثلاثاء توضيحات أمام مجلس المستشارين، مؤكدا أن المقاربة التي تعتمدها الحكومة لا تقوم على إعادة الإيواء المؤقت، بل على إعادة الإسكان، في إطار رؤية تروم توفير حلول دائمة.
مضيفا أن المقاربة التي تعتمدها الحكومة منذ تنصيبها سنة 2021 لا تقوم على إعادة الإيواء، بل على إعادة الإسكان، موضحا أن عدد طلبات الإحصاء المسجلة في هذا الإطار بلغ حوالي 120 ألف طلب، من بينها 62 ألف طلب بمدينة الدار البيضاء.
وأوضح أن عددا مهما من الطلبات تم تسجيله في هذا الإطار، وأن بعض البنايات المنهارة كانت قد استفادت من تراخيص بناء، مشيرا إلى أن التحقيقات الجارية هي الكفيلة بتحديد المسؤوليات.
كما كشف عن إجراءات استعجالية تم اتخاذها لإجلاء أسر مهددة بالخطر، مع توفير سكن لائق لها، في انتظار بلورة حلول أكثر شمولا.
وتعيد هذه التطورات المتلاحقة ملف المباني الآيلة للسقوط إلى صدارة النقاش العمومي، في وقت تتزايد فيه مطالب الفاعلين السياسيين والحقوقيين بضرورة الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق، عبر تشخيص دقيق للمناطق المهددة، وتسريع وتيرة إعادة التأهيل.