بين التعويض والإقصاء.. هدم المحلات يربك المشهد التجاري بالدار البيضاء
تعيش مدينة الدار البيضاء، خلال الأسابيع الأخيرة، على وقع موجة واسعة من عمليات هدم المحلات التجارية والأسواق الشعبية، في إطار برامج لإعادة تهيئة وتأهيل عدد من المناطق التي توصف بالكثافة التجارية والعمرانية المرتفعة، غير أن هذه العمليات، التي ترفع شعار التنظيم وتحرير الملك العمومي، ترافقت مع حالة من التوتر الاجتماعي والاحتقان المتزايد في صفوف التجار المتضررين، بسبب ما يعتبرونه غموضاً في مساطر التعويض وغياب حلول بديلة تضمن لهم استمرارية نشاطهم المهني.
وفي هذا السياق، شهد حي درب الإنجليز خلال الأيام الأخيرة عملية هدم طالت حوالي أربعين محلاً تجارياً، ضمن تدخل تنظيمي يندرج في إطار برنامج لإعادة تأهيل المنطقة.
وبحسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، فقد جرى إبلاغ التجار المعنيين بأن عملية الهدم لن تمس بحقوقهم، وأنهم سيكونون مشمولين بإجراءات إعادة التوطين أو التعويض وفق الضوابط المعمول بها، بما يضمن الحفاظ على مصادر رزقهم وعدم إقصائهم من النسيج الاقتصادي المحلي.
ورغم القلق الذي خيم في البداية على صفوف التجار وأسرهم، فإن هذه الوعود الرسمية ساهمت نسبياً في تهدئة الأجواء، في انتظار تفعيلها على أرض الواقع.
ويعبر المتضررون عن أملهم في أن تحترم الجهات المعنية التزاماتها المعلنة، مع تسريع وتيرة الإجراءات، واعتماد مقاربة تشاركية تواصلية تُشرك التجار في مختلف مراحل المشروع، بما يحقق توازناً بين متطلبات التأهيل الحضري والبعد الاجتماعي والإنساني للمنطقة.
في المقابل، تعيش منطقة درب لوبيلا التابعة لمقاطعة سيدي بليوط وضعاً أكثر توتراً، عقب توجيه إشعارات إلى عشرة محلات تجارية مقابلة للسوق الشعبي بضرورة إخلائها داخل أجل لا يتجاوز خمسة عشر يوماً، في إطار عملية هدم مرتقبة تشرف عليها السلطات المحلية تحت إشراف عمالة مقاطعات الدار البيضاء–أنفا.
وقد وصف التجار حسب مصادر الجريدة 24، هذا القرار بالمفاجئ، خاصة في ظل غياب توضيحات دقيقة حول مصيرهم بعد الإفراغ.
وأعاد هذا المستجد إلى الواجهة النقاش المزمن حول معايير التعويض، وطريقة انتقاء المستفيدين، ومدى مراعاة الأوضاع الاجتماعية للأسر التي تعتمد بشكل كلي على هذه الأنشطة التجارية.
فالمنطقة تعد من أكثر النقاط حركية واكتظاظاً في وسط المدينة، وتشكل محلاتها الصغيرة مصدر عيش لعشرات الأسر منذ عقود.
وحسب معطيات متطابقة للجريدة 24، فإن عملية الإفراغ تندرج ضمن برنامج يهدف إلى إعادة تنظيم المجال الحضري وترتيب محيط السوق، وتحرير الملك العمومي، وهي مقاربة تعتبرها الجهات المسؤولة ضرورية لتأهيل الأحياء ذات الكثافة المرتفعة، وقد جرى اعتمادها في مناطق أخرى من المدينة.
غير أن الصدمة كانت قوية لدى التجار بعد علمهم بأنهم غير معنيين بأي تعويض، خلافاً لما جرى في عمليات سابقة مماثلة.
وقد زاد هذا المعطى من حدة التوتر، خصوصاً أن عدداً من هذه المحلات يزاول نشاطه منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ويعتمد أصحابها عليها كمورد رزق وحيد.
ويؤكد عدد من المتضررين أنهم وجدوا أنفسهم أمام مستقبل غامض، محذرين من أن فقدان محلاتهم سيقودهم إلى أوضاع اجتماعية قاسية قد تصل إلى حد التشرد.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن بعض التجار حاولوا التواصل مع السلطات المحلية من أجل طلب مهلة إضافية أو إدراجهم ضمن لوائح المستفيدين من التعويض، غير أن الردود ظلت غير واضحة، في وقت يتسارع فيه العد العكسي لانتهاء الأجل المحدد للإفراغ.
ومع اقتراب موعد تدخل الجرافات، تسود المنطقة حالة ترقب حذرة، يطبعها قلق كبير لدى الأسر التي لم تتلق، إلى حدود الساعة، أي ضمانات أو بدائل ملموسة.
ولا تقتصر حالة الاحتقان على هذه المناطق فقط، إذ تشهد الدار البيضاء، بشكل عام، توتراً اجتماعياً متزايداً بسبب حملة هدم الأسواق التي انطلقت خلال الأشهر الماضية.
ويعبر آلاف التجار عن استيائهم مما يعتبرونه غياب رؤية واضحة من طرف المجلس الجماعي، في ما يخص توفير بدائل تحفظ كرامتهم وتضمن استمرارية أنشطتهم الاقتصادية.
وتتصدر منطقة الحي الحسني قائمة المناطق الأكثر تضرراً، حيث وجد عدد كبير من التجار أنفسهم بدون فضاءات بديلة لما يقارب ثلاثة أشهر، بعد هدم أسواق معروفة بالمنطقة.
وتشير معطيات متطابقة إلى أن أسواقاً مثل “دالاس” و“صورصا 1 و2” خلفت أوضاعاً اجتماعية صعبة، نتيجة توقف النشاط التجاري وفقدان الدخل اليومي، في ظل غياب حلول عملية لتعويض الخسائر أو تمكين التجار من أماكن بديلة لمزاولة نشاطهم.
وقد انعكست هذه الأزمة على أشغال دورة شتنبر الأخيرة لمجلس مقاطعة الحي الحسني، التي عرفت نقاشات محتدمة بين مكونات المجلس، حيث وجهت المعارضة انتقادات لاذعة للمكتب المسير، محملة إياه مسؤولية ما آلت إليه أوضاع التجار، وواصفة طريقة تدبير الملف بالانتقائية وغياب رؤية شمولية لمعالجة الأزمة.
كما طالبت أطراف سياسية بمساءلة الجهات المعنية عن تأخر إيجاد حلول واقعية، محذرة من تفاقم الاحتقان الاجتماعي في ظل ارتفاع مؤشرات البطالة والهشاشة.
وفي سياق متصل، لا يزال تجار “البحيرة” بالمدينة القديمة يعيشون على وقع القلق، بعد هدم محلاتهم في إطار مشروع تأهيل المدينة القديمة المرتبط بمشروع المحج الملكي.
ورغم مرور مدة على تنفيذ عمليات الهدم، فإن المئات من التجار ما زالوا ينتظرون مصير التعويضات المالية أو إمكانية نقلهم إلى أسواق بديلة، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التأخير إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن غياب استراتيجية شاملة وواضحة لمعالجة ملفات الأسواق المهدمة يسهم في تعميق فجوة الثقة بين التجار والجهات المسؤولة، ويعكس محدودية المقاربة المعتمدة في التوفيق بين متطلبات التأهيل الحضري وضمان الحقوق الاجتماعية للفئات المهنية الهشة.
وفي ظل هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات استعجالية، تقوم على توفير فضاءات بديلة لائقة، ووضع برامج تعويضية شفافة، وضمان استمرارية النشاط التجاري، تفادياً لأي تصعيد اجتماعي محتمل قد تكون له انعكاسات أوسع على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعاصمة الاقتصادية.