هل تتماطل الحكومة في ملف إصلاح صندوق المقاصة؟
يتجدد النقاش العمومي في المغرب حول مستقبل صندوق المقاصة، في ظل تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كانت الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش تتماطل في تنزيل إصلاح شامل لهذا الورش الذي يوصف منذ سنوات بأنه أحد أعقد الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم التأكيدات المتكررة منذ بداية الولاية الحكومية على عزم إصلاح منظومة الدعم، ما يزال الصندوق يشتغل بالآليات نفسها، وسط ضغوط مالية متنامية وانتقادات سياسية متواصلة.
ويُعد صندوق المقاصة من أبرز أدوات الدعم الاجتماعي التي تعتمدها الدولة، إذ يهدف إلى الحفاظ على استقرار أسعار بعض المواد الأساسية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
غير أن استمرار الدعم الشامل، الذي يستفيد منه الجميع دون تمييز بين الفئات الهشة والميسورة، بات يثير إشكالات بنيوية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وارتفاع كلفة الدعم على الميزانية العامة.
وفي هذا السياق، سبق للمعارضة البرلمانية أن طالبت مرارًا بتسريع إصلاح صندوق المقاصة، مع التأكيد على ضرورة توجيه الموارد المالية التي قد تتحرر من رفع الدعم السلعي إلى برامج اجتماعية أكثر استهدافًا، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر تضررًا من الغلاء.
كما شددت على أهمية تفادي تكرار تجربة تحرير أسعار المحروقات التي جرت قبل سنوات، والتي رافقها ارتفاع كبير في الأسعار وتحقيق شركات التوزيع أرباحًا وُصفت بالمرتفعة، دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على المستهلك.
وفي خضم هذا الجدل، عاد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، ليضع إصلاح صندوق المقاصة في صلب النقاش العمومي، مشددًا على أن هذا الإصلاح يظل رهينًا بتوفر إرادة سياسية حقيقية لدى الحكومة.
وخلال ندوة صحفية أعقبت اجتماع مجلس بنك المغرب، نبه الجواهري إلى أن تأجيل القرارات الصعبة لا يحل الإشكال، بل يفاقمه مع مرور الوقت، مؤكدًا أنه لا يوجد وقت مثالي للإصلاح، لأن مبررات التأجيل تتغير باستمرار، من الدخول المدرسي إلى شهر رمضان ثم الأعياد، في حلقة مفرغة تعيق اتخاذ القرار.
وأوضح والي بنك المغرب أن جوهر الإشكال يكمن في طبيعة الدعم الحالي، الذي يوجَّه إلى المستحقين وغير المستحقين على حد سواء، معتبرًا أن هذا الوضع يفتقر إلى العدالة الاجتماعية.
وضرب مثالًا بذلك من خلال التفاوت بين فئات المجتمع، متسائلًا عن منطقية أن تشتري شخصية ميسورة تتوفر على سائق خاص الخبز بالسعر نفسه الذي يشتريه به ذلك السائق، في إشارة إلى غياب الاستهداف الدقيق للدعم.
وتوقف الجواهري عند عدد من العوائق التي حالت دون إصلاح صندوق المقاصة في السابق، وعلى رأسها غياب سجل اجتماعي موحد يحدد بدقة الأسر المحتاجة، ويسمح بتوجيه الدعم بشكل مباشر وعادل.
واعتبر أن توفر هذا السجل يشكل مدخلًا أساسيًا لأي إصلاح ناجح، يوازن بين الحفاظ على التماسك الاجتماعي وضبط التوازنات المالية.
وفي ما يتعلق بملف الأسعار والتضخم، أكد والي بنك المغرب أن خفض الأسعار بعد ارتفاعها يظل أمرًا بالغ الصعوبة، مبرزًا أن العمل الأساسي يجب أن يكون وقائيًا، أي قبل تسجيل زيادات كبيرة في الأسعار، من أجل الحد من آثارها على المواطنين.
وأوضح أن هناك فرقًا بين تراجع معدل التضخم من الناحية الإحصائية، وبين الإحساس الفعلي للمواطن باستمرار الغلاء، وهو وضع تشهده معظم الدول، حيث قد ينخفض التضخم دون أن تنعكس نتائجه سريعًا على الأسعار في الأسواق.
وأشار الجواهري إلى أن التضخم يتطلب معالجة مبكرة، قبل استفحاله، محذرًا من أن ارتفاع الأسعار يخلق فئات مستفيدة من الغلاء، ما يجعل العودة إلى مستويات سابقة أكثر تعقيدًا.
كما عبّر عن استغرابه من استمرار ارتفاع بعض المواد، مثل زيت الزيتون، رغم وفرة الإنتاج، معتبرًا أن هذا المعطى يطرح تساؤلات حول آليات التسعير وسلاسل التوزيع.