كشفت نتائج مبادرة "مقاهي المواطنة: باش كايحلمو المغاربة"، التي أطلقتها جمعية "المواطنون"، عن بروز وعي شبابي متنامٍ يرفض موقع المتفرج، ويسعى إلى لعب دور فاعل في التغيير المجتمعي، من خلال بلورة مطالب واضحة تعكس انتظارات جيل كامل من السياسات العمومية والمؤسسات.
وأفاد التقرير بأن تطلعات الشباب المشاركين تلاقت حول أربع أولويات كبرى، تتصدرها الحاجة إلى تعليم فعال وعادل ومندمج، يليه مطلب توفير فرص عمل كريمة، ثم الولوج إلى نظام صحي مجاني وعالي الجودة، إضافة إلى إرساء مشاركة مواطنة حقيقية ومنظمة في اتخاذ القرار العمومي.
وعبر الشباب عن استياء واسع من هشاشة البنيات التحتية، وعدم ملاءمة البرامج التعليمية مع حاجيات سوق الشغل، واستمرار الفوارق الصارخة بين الوسطين الحضري والقروي.
واعتبر المشاركون أن المدرسة، بدل أن تشكل رافعة للاندماج الاجتماعي، أصبحت في حالات كثيرة ممرا نحو البطالة، وهو ما يتجلى بوضوح في جهة درعة–تافيلالت، حيث صرح 65 في المائة من الشباب المستجوبين بأنهم بدون عمل رغم مساراتهم الدراسية الطويلة.
أما في جهة بني ملال–خنيفرة، فقد برز ارتباط وثيق بين التكوين والهجرة، إذ ينظر عدد من الشباب إلى الرحيل باعتباره الخيار الوحيد في ظل منظومة تعليمية متعثرة.
وطالب المشاركون بمدرسة حديثة ومندمجة، توفر توجيها ملائما، ومسارات متنوعة، وبيداغوجيا قادرة على تنمية الكفاءات المهنية والمواطنة في آن واحد، باعتبار التعليم الأساس لأي تحول اجتماعي مستدام.
ويحتل مطلب الشغل موقعا مركزيا ضمن انتظارات الشباب، حيث أظهر التقرير أن البطالة وعدم الاستقرار المهني يشكلان مصدر قلق عام.
ويطالب الشباب بوظائف مستقرة تضمن الكرامة والاستقلالية، إلى جانب دعم حقيقي لريادة الأعمال، من خلال آليات تمويل ومواكبة فعالة لإنشاء المشاريع، بدل الاكتفاء بالبرامج الشكلية.
وعبر المشاركون عن إحباط واسع تجاه نظام ينظر إليه على أنه غير عادل وغير متاح للجميع، خاصة في المناطق الهامشية.
وأشار التقرير إلى صعوبات الولوج إلى الخدمات الصحية في جهة درعة–تافيلالت، مقابل استمرار الفوارق المجالية بين القروي والحضري في بني ملال–خنيفرة، فضلاً عن الغياب شبه التام للمتابعة في مجال الصحة النفسية، في ظل تنامي مظاهر العزلة والتوتر والمعاناة النفسية لدى الشباب.
ويطالب الشباب بنظام صحي حديث وشامل، يجمع بين الوقاية والعلاج والدعم النفسي، بما يضمن المساواة والرفاه الجماعي، ويحد من التفاوتات الإقليمية التي تعمّق الإحساس بالإقصاء.
وعبر الشباب عن شعور متزايد بالتهميش والإقصاء من دوائر اتخاذ القرار، معتبرين أن إشراكهم غالبا ما يبقى شكليا.
وطالبوا بإحداث آليات مؤسساتية واضحة، من قبيل المجالس الشبابية، والميزانيات التشاركية، ومنصات رقمية للتشاور، باعتبار المشاركة المواطنة ركيزة أساسية لديمقراطية حية وشاملة.
ورصد التقرير ستة احتياجات عرضانية متكررة، تتعلق بإرساء نظام فعال للتوجيه والمرافقة الفردية، وتحقيق عدالة اجتماعية وترابية ملموسة، وضمان إطار عيش مستدام يحترم البيئة، إلى جانب حكامة مفتوحة وتشاركية ورقمية، وبنيات تحتية تعليمية وثقافية ورياضية موزعة بشكل عادل.
وتخلص نتائج المبادرة إلى أن مطلب الكرامة يشكل القاسم المشترك بين مختلف تطلعات الشباب، سواء عبر التعليم أو العمل أو العدالة الاجتماعية، مع تأكيد قوي على ضرورة استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، من خلال الشفافية والمشاركة الفعلية في القرار العمومي.
وفي ما يخص مغاربة العالم، أبرز التقرير ارتباطهم العاطفي القوي بالوطن الأم، غير أن رغبتهم في العودة تبقى مشروطة بتوفر حكامة جيدة، وفرص اقتصادية حقيقية، ونظامين تعليمي وصحي حديثين، إضافة إلى إطار عيش آمن وعصري يثمن كفاءاتهم ويعتبر عودتهم قيمة مضافة للفرد والوطن.
يشار إلى أن التقرير اعتمد على معطيات تم جمعها من 2399 مشاركا، عبر تنظيم 101 مقهى مواطنة في 66 مدينة وقرية موزعة على 12 جهة بالمملكة، إضافة إلى أربع لقاءات مع مغاربة العالم. وبلغ متوسط عمر المشاركين 21 سنة، غالبيتهم من الطلبة بنسبة 79 في المائة، مقابل 10 في المائة أجراء، و7 في المائة من فئة الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين أو المتدربين، و4 في المائة من رواد الأعمال.