التقاعد بين شد وجذب.. هزالة المعاشات تطوق الحكومة بسيل من الانتقادات
عاد ملف التقاعد في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، في ظل تصاعد القلق الاجتماعي المرتبط بالأوضاع المعيشية للمتقاعدين، وتزايد المؤشرات المالية التي تنذر باختلالات عميقة تهدد استدامة صناديق التقاعد خلال السنوات القليلة المقبلة.
هذا الوضع أعاد طرح أسئلة ملحة حول جدوى الإصلاحات المقترحة، وحدود التوازن المطلوب بين الحفاظ على ديمومة المنظومة وضمان كرامة فئة ساهمت لعقود في خدمة الاقتصاد الوطني والإدارة العمومية.
وفي هذا السياق، وجهت فيدرالية الجمعيات الوطنية للمتقاعدين بالمغرب رسالة إلى رئيس الحكومة، عبّرت فيها عن قلق بالغ إزاء الأوضاع المادية والصحية والمعنوية التي يعيشها المتقاعدون، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للمعاشات، التي لم تعد، بحسب الفيدرالية، قادرة على تغطية الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
واعتبرت الهيئة ذاتها أن فئة المتقاعدين أصبحت من أكثر الفئات الاجتماعية هشاشة، رغم ما قدمته من تضحيات خلال سنوات العمل.
وطالبت الفيدرالية بجملة من الإجراءات المستعجلة، في مقدمتها الرفع من الحد الأدنى للمعاشات بما ينسجم مع الحد الأدنى للأجور، وتمكين الأرامل من الاستفادة الكاملة من معاشات أزواجهن بدل النسب الجزئية المعتمدة حاليا، إلى جانب تحسين التغطية الصحية وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية للأدوية والعلاجات الاستشفائية.
كما دعت إلى اعتماد تعرفة تفضيلية لفائدة المسنين في وسائل النقل الطرقي والسككي والجوي، وفي المؤسسات الفندقية، انسجاما مع التوجهات المعلنة للدولة الاجتماعية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تعرف فيه منظومة التقاعد نقاشا اجتماعيا متصاعدا، بعد عودة ملف الإصلاح إلى الواجهة بفعل تقارير رسمية تحذر من قرب دخول بعض الصناديق مرحلة عجز حاد يهدد استمراريتها.
وتؤكد الحكومة من جهتها أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل، وأن التعجيل بإصلاح شامل بات ضرورة لتفادي سيناريوهات أكثر كلفة على المدى المتوسط والبعيد، غير أن هذا الطرح يصطدم برفض واضح من قبل المركزيات النقابية لأي تصور يحمل الأجراء والمتقاعدين تبعات اختلالات راكمتها المنظومة عبر عقود.
وتزامن هذا الجدل مع مواقف نقابية متشددة تؤكد أن أي إصلاح لا يمكن أن يتم على حساب حقوق الشغيلة والمتقاعدين، معتبرة أن تحميل الفئات العاملة كلفة التوازنات المالية يشكل مساسا بمبدأ العدالة الاجتماعية.
وترى النقابات أن تحسين أوضاع المتقاعدين يجب أن يشكل مدخلا أساسيا لأي إصلاح، وليس نتيجة مؤجلة له، خاصة في ظل واقع معاشات ضعيفة لا تواكب التحولات الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وتعززت حدة النقاش بعد صدور معطيات رسمية كشفت عن الوضعية المقلقة لصناديق التقاعد، حيث أظهرت تقارير رقابية أن احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد مرشحة للنفاد في أفق سنوات قليلة في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة التوازن.
كما سجل الصندوق عجزا تقنيا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس هشاشة الاختيارات السابقة واعتماد حلول جزئية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة.
ورغم إقرار الحكومة بخطورة الوضع، فإن النقابات تعتبر أن المقاربات التقنية المحضة، القائمة على الرفع من سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات، لن تؤدي إلا إلى تعميق الإشكال، وقد تفضي إلى توتر اجتماعي في ظرف اقتصادي يتسم بالحساسية.
وتدعو هذه الأطراف إلى اعتماد رؤية شمولية تراعي البعد الاجتماعي، وتضمن الحفاظ على المكتسبات المهنية، وتحسن دخل المتقاعد، بما ينعكس إيجابا على الاستقرار الاجتماعي.
في موازاة ذلك، دخل البرلمان على خط النقاش من خلال مطالب متكررة بالكشف عن الخطط الحكومية المستقبلية لإصلاح أنظمة التقاعد، خاصة ما يتعلق بالرفع من الحد الأدنى للمعاشات. وأكدت أصوات برلمانية من المعارضة على رأسها حزب العدالة والتنمية أن فئة المتقاعدين تعيش أوضاعا صعبة في ظل تزايد تكاليف المعيشة، وتراجع القيمة الفعلية للمعاشات، معتبرة أن غياب إجراءات ملموسة بشأن الزيادات المعلن عنها سابقا عمّق الإحباط لدى شريحة واسعة من المتقاعدين، خصوصا ذوي الدخل المحدود.
ويطالب متتبعون للشأن الاجتماعي بإحداث إطار مؤسساتي خاص يعنى بقضايا المتقاعدين، ويواكب أوضاعهم الصحية والاجتماعية، مؤكدين أن أي إصلاح لأنظمة التقاعد يجب أن يسبقه تحسين فعلي للمعاشات وضمان شروط العيش الكريم لهذه الفئة، بدل الاكتفاء بحلول مالية تركز على الأرقام والتوازنات دون استحضار الانعكاسات الاجتماعية.
وفي ظل استمرار تباعد المواقف بين الحكومة والمركزيات النقابية، يبدو مسار إصلاح التقاعد مفتوحا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين البحث عن توافقات مرحلية أو الدخول في مرحلة جديدة من التوتر الاجتماعي.