“الكان” بين الفرجة والاستغلال.. جدل تسعيرة المقاهي يعود من جديد

الكاتب : انس شريد

21 ديسمبر 2025 - 06:30
الخط :

في أجواء يطبعها الحماس الوطني وترقب الجماهير لانطلاق منافسات كأس أمم إفريقيا 2025، عادت إلى الواجهة ظاهرة رفع أسعار المقاهي تزامنا مع نقل مباريات المنتخب المغربي، ما فتح نقاشا واسعا بين مؤيد يرى في الخطوة ممارسة تجارية مشروعة، ومعارض يعتبرها شكلا من أشكال استغلال الشغف الجماعي بكرة القدم.

ومع اقتراب صافرة البداية، شهدت عدد من المدن المغربية الكبرى، من بينها الدار البيضاء والرباط وطنجة، لجوء مقاهٍ إلى تعليق لافتات تعلن عن تسعيرات خاصة بمشاهدة مباريات “الكان”، حيث تم اعتماد أثمنة مضاعفة أو فرض حد أدنى للاستهلاك خلال زمن المباريات، في مشهد يتكرر مع كل موعد كروي كبير، لكنه هذه المرة بدا أكثر حضورا وحدّة بحكم احتضان المملكة للمنافسة القارية.

وبرزت منذ صباح اليوم مظاهر التسعير المزدوج بشكل لافت، إذ عاينت الجريدة 24، قيام عدد من المقاهي، سواء في الأحياء الشعبية أو الراقية بمدينة الدار البيضاء، بفرض أثمنة إضافية على الجلوس لمتابعة مباريات المنتخب الوطني، من بينها المباراة المرتقبة أمام جزر القمر، التي تجرى مساء اليوم الأحد.

وشملت هذه الزيادات مناطق وسط المدينة والمعاريف والزرقطوني، حيث تراوحت التسعيرات ما بين 50 و80 درهما، مقابل الجلوس خلال زمن المباراة، في حين لم تسلم بعض الأحياء المتوسطة والشعبية من هذه الموجة، بعدما فُرضت أثمنة تفوق 14 درهما، وهو ما اعتبره كثيرون رقما غير مبرر بالنظر إلى القدرة الشرائية لسكان هذه المناطق.

وتعزز الجدل مع تداول نماذج من هذه التسعيرات عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لجأت بعض المقاهي والمطاعم إلى تسويق باقات خاصة تحمل أسماء لاعبي المنتخب الوطني، تتضمن وجبات ومشروبات بأسعار متفاوتة، تبدأ ما بين 80 و120 درهما في خطوة اعتبرها متابعون استغلالا مباشرا لحماس الجماهير، خصوصا فئة الشباب وذوي الدخل المحدود، الذين يجدون في المقاهي فضاء جماعيا لمتابعة المباريات في أجواء شعبية، بعيدا عن تكاليف الاشتراكات أو التجهيزات المنزلية.

في المقابل، يدافع عدد من أرباب المقاهي عن هذه الخطوة، معتبرين أن فترة البطولة تفرض عليهم أعباء مالية إضافية، تشمل اقتناء شاشات كبيرة وتحسين جودة الصوت والصورة، فضلا عن أداء اشتراكات القنوات الناقلة والاستعداد للضغط الكبير خلال أوقات الذروة، مؤكدين أن ما يقدم للزبون لا يقتصر على مشروب أو وجبة، بل تجربة مشاهدة متكاملة في فضاء جماعي، مع الإشارة إلى أن الخيار يبقى مفتوحا أمام المستهلك بين متابعة المباراة في المقهى أو من المنزل.

غير أن هذا التبرير لم يقنع شريحة واسعة من المواطنين، الذين عبروا عن امتعاضهم من هذه الممارسات، معتبرين أن الأمر تجاوز منطق العرض والطلب، وتحول إلى محاولة للاغتناء السريع على حساب مشاعر وطنية جامعة.

ويرى منتقدو هذه الظاهرة أن كرة القدم تشكل متنفسا شعبيا وحدثا اجتماعيا بامتياز، وأن تحويلها إلى مناسبة لفرض أسعار مرتفعة يفرغها من بعدها الجماعي، خاصة في ظل غياب تحسينات حقيقية في عدد من المقاهي تبرر هذا الرفع، سواء من حيث جودة الخدمات أو مستوى التنظيم.

وأثار هذا الوضع موجة من التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر نشطاء أن من غير المعقول أن يتحول فنجان قهوة لا يتجاوز ثمنه المعتاد 10 دراهم إلى 15 درهما أو أكثر، فقط بسبب نقل مباراة للمنتخب الوطني، مشددين على أن تشجيع كتيبة وليد الركراكي حق معنوي لجميع المغاربة، لا ينبغي ربطه بقدرتهم على تحمل أثمنة إضافية فرضتها مناسبة رياضية.

وبين من يرى في الرفع المؤقت للأسعار ممارسة تجارية مشروعة، ومن يعتبره استغلالا غير مقبول لحدث وطني، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذا الجدل، إذ يجد نفسه أمام خيارات محدودة، إما القبول بالأثمنة المفروضة، أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، في وقت تشكل فيه مباريات كأس أمم إفريقيا فرصة حقيقية لأرباب المقاهي والمطاعم لتحقيق مداخيل مهمة، خاصة مع احتضان المغرب لهذه التظاهرة القارية، وما يرافقها من إقبال جماهيري واسع.

وفي ظل هذا الواقع، يظل وعي المستهلك والمنافسة بين الفاعلين عاملين حاسمين في ضبط هذه الظاهرة، التي تتكرر مع كل حدث كروي كبير، وسط دعوات غير معلنة إلى احترام القدرة الشرائية للمواطنين، والحفاظ على الطابع الشعبي والجامع لكرة القدم، باعتبارها لحظة فرح جماعي لا ينبغي أن تتحول إلى عبء إضافي على جيوب الأسر المغربية.

آخر الأخبار