هل يعيق تضارب المصالح والريع تحديث قطاع الطاكسيات؟
عاد ملف إصلاح قطاع سيارات الأجرة إلى واجهة النقاش العمومي والمؤسساتي، في ظل تساؤلات متزايدة حول الأسباب الحقيقية التي تعيق إخراج إصلاح شامل ومستدام لهذا القطاع الحيوي، وما إذا كانت لوبيات المصالح المستفيدة من الوضع القائم تقف حجر عثرة أمام أي تغيير عميق يمس بنية الاستغلال وأساليب التدبير المعتمدة منذ عقود.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة اليوم الاثنين 22 دجنبر الجاري، سلط النائب البرلماني محمد الحجيرة، عن فريق الأصالة والمعاصرة، الضوء على الأعطاب البنيوية التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة، معتبراً أن واقع الحال لم يعد ينسجم مع التحولات الحضرية الكبرى التي تعرفها المدن المغربية، ولا مع طموحات المواطنين في خدمات نقل تحترم معايير الجودة والنجاعة والسلامة.
وأكد أن هذا القطاع، رغم مكانته المحورية داخل منظومة النقل الحضري، لا يزال يعاني من اختلالات مزمنة تتطلب معالجة جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية.
وفي هذا السياق، شدد الحجيرة على أن الاستحقاقات الدولية المقبلة التي تنتظر المملكة، وعلى رأسها تنظيم تظاهرات رياضية عالمية، تفرض الارتقاء بخدمات النقل العمومي، بما في ذلك سيارات الأجرة، حتى تكون في مستوى صورة المغرب كبلد منفتح وقادر على توفير خدمات عصرية تستجيب لتطلعات المواطنين والزوار على حد سواء.
كما اعتبر أن إصلاح القطاع يجب أن يتم ضمن رؤية شمولية ومستدامة، تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي، وتقطع مع منطق التدبير التقليدي الذي أفرز اختلالات عميقة في التوازن بين العرض والطلب.
وأكد المتدخل البرلماني دعم فريق الأصالة والمعاصرة لكل المبادرات الرامية إلى إصلاح هذا القطاع، داعياً إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على تشجيع الاستثمار والمبادرة الخاصة، وفتح المجال أمام المنافسة الشريفة في إطار دفتر تحملات واضح، بعيدا عن الريع وتضارب المصالح.
وفي مقابل الدعوة إلى التحديث، شدد الحجيرة على ضرورة الحفاظ على مكتسبات وحقوق أصحاب المأذونيات الحقيقيين، مع التأكيد على أهمية إدماج المهنيين الحاليين ضمن أي نموذج إصلاحي جديد، من خلال برامج للتكوين والدعم والمواكبة والتمويل، دون إقصاء أو تهميش.
من جانبه، قدم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت معطيات صريحة حول واقع القطاع، كاشفاً عن وجود فاعلين يستفيدون من الوضعية الحالية، ويمارسون مقاومة واضحة للتغيير، ما أدى إلى تعطيل عدد من مبادرات الإصلاح، في وقت عبر فيه عن تسجيل عدم رضا شريحة واسعة من المرتفقين بشأن جودة الخدمات المقدمة، إلى جانب اختلال التوازن بين العرض والطلب في عدد من المناطق الحضرية وشبه الحضرية.
وأوضح الوزير أن وزارة الداخلية أطلقت خلال السنة الجارية دراسة استراتيجية معمقة تروم تشخيص مكامن الخلل التي يعاني منها القطاع، واستلهام تجارب دولية ناجحة في تنظيم سيارات الأجرة، تمهيداً لصياغة سيناريوهات وتوصيات عملية من شأنها إرساء نموذج جديد أكثر نجاعة وتنظيماً.
وأبرز أن هذه الدراسة توجد حالياً في مرحلة إعداد المقترحات، بعد استكمال مراحل التشخيص وتحليل التجارب المقارنة.
ورغم الإقرار بالنتائج الإيجابية التي تحققت بفعل عدد من التدابير السابقة، أشار المسؤول الحكومي إلى استمرار مجموعة من الإكراهات، من بينها محدودية الإطار القانوني المؤطر للقطاع، وهشاشة نموذج استغلال الرخص المعتمد، وتعدد المتدخلين وتضارب المصالح بينهم، إضافة إلى البطء المسجل في اعتماد التطبيقات الرقمية وأنظمة الوساطة الحديثة، في ظل تنامي أنشطة النقل غير المرخص عبر المنصات الرقمية، وهو ما يزيد من تعقيد وضعية القطاع.
وكشف لفتيت أن أسطول سيارات الأجرة بالمغرب يضم ما يقارب 77 ألفاً و200 سيارة، مشيراً إلى أن القطاع يوفر فرص شغل لما يناهز 180 ألف سائق، ما يعكس وزنه الاقتصادي والاجتماعي، ويجعل أي إصلاح له رهانات اجتماعية دقيقة تتطلب مقاربة متوازنة.
وأشار وزير الداخلية إلى أن السلطات الإقليمية، بمواكبة من المصالح المركزية، عملت خلال السنوات الأخيرة على تنفيذ خارطة طريق مندمجة، همت تحيين القرارات التنظيمية المتعلقة بتدبير الرخص ومواصفات المركبات وشروط استغلالها، إلى جانب تكريس مهنية القطاع عبر حصر استغلال الرخص في السائقين المهنيين، والحد من تفويض الاستغلال لفائدة غير المهنيين.
وفي إطار تحديث الأسطول، أبرز لفتيت أن برنامج دعم تجديد سيارات الأجرة مكن من تجديد حوالي 80 في المائة من المركبات، وتقليص متوسط عمرها من 25 سنة إلى 8 سنوات، مشيراً إلى تسجيل آلاف المخالفات التي أفضت إلى سحب مؤقت أو نهائي لعدد مهم من رخص الثقة.
ويأتي هذا النقاش البرلماني في سياق يتسم بتصاعد المطالب بإصلاح جذري لقطاع سيارات الأجرة، وسط قناعة متزايدة بأن أي إصلاح حقيقي لن يرى النور دون تفكيك شبكات المصالح التي تستفيد من الوضع القائم، وإرساء حكامة جديدة قوامها الشفافية، والمهنية، والعدالة الاجتماعية، بما يضمن خدمة نقل عمومي تليق بالمواطن المغربي وتنسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.