فيضانات آسفي تشعل مواجهة سياسية داخل البرلمان حول التقصير والاستباق

الكاتب : انس شريد

22 ديسمبر 2025 - 07:30
الخط :

أعادت الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي خلال الأيام الأخيرة ملف هشاشة البنيات التحتية والجاهزية لمواجهة الكوارث الطبيعية إلى صدارة النقاش العمومي والمؤسساتي، بعد أن خلفت حصيلة بشرية ثقيلة بلغت 37 وفاة، إلى جانب خسائر مادية واسعة شملت مئات المساكن والمحلات التجارية، وألحقت أضراراً جسيمة بعدد من المرافق العمومية وشبكات الطرق والتجهيزات الأساسية، في واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية دموية التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة يوم الاثنين، طُرحت هذه الفاجعة بقوة داخل قبة البرلمان، حيث وُجه سؤال مباشر إلى وزير التجهيز والماء حول التدابير الاستعجالية التي تم اتخاذها للتخفيف من معاناة الساكنة المتضررة، في ظل أرقام صادمة كشفت عن حجم الخسائر البشرية والاجتماعية التي خلفتها السيول الجارفة، خاصة بالأحياء الهشة والمدينة العتيقة، التي سجلت أكبر عدد من الضحايا والانهيارات.

وفي هذا السياق، اعتبر عدد من النواب أن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 37 شخصاً لا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة طبيعية فقط، بل يعكس اختلالات عميقة في منظومة الوقاية وتدبير المخاطر، خاصة في ظل صدور نشرات إنذارية مسبقة تحذر من تساقطات قوية ومركزة.

وجرى التأكيد على أن ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، والاختناق المسجل على مستوى مجاري الأودية، والتوسع العمراني غير المنضبط، عوامل ساهمت بشكل مباشر في تضخيم حجم الخسائر.

وفي تعقيبها، شددت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية ثورية عفيف على أن الكلفة البشرية المرتفعة للفيضانات تكشف فشل التدابير الاستباقية، وتطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى تفعيل الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث.

وأكدت أن مدينة آسفي أصبحت نموذجاً صارخاً لاختلال العدالة المجالية، حيث تتحمل الفئات الهشة العبء الأكبر للكوارث، مطالبة بإعلان المنطقة منكوبة لتمكين المتضررين من الدعم اللازم وجبر الأضرار.

من جانبه، أوضح وزير التجهيز والماء نزار بركة أن ما شهدته آسفي يندرج ضمن سياق مناخي استثنائي يتسم بتزايد حدة الظواهر القصوى، مشيراً إلى أن التساقطات الأخيرة كانت مكثفة جداً ووقعت في فترة زمنية قصيرة وعلى مجال جغرافي محدود، ما أدى إلى سيول مفاجئة داخل النسيج الحضري.

وأبرز أن المنشأة المخصصة للحماية من الفيضانات، والتي تمتد على مسافة تقارب 90 كيلومتراً، لم تستقبل سوى حوالي 200 ألف متر مكعب من المياه، رغم أن طاقتها الاستيعابية تصل إلى نحو 3.5 ملايين متر مكعب، بسبب مسار السيول التي مرت أسفل المدينة ولم تعبر المجرى المخصص لها.

وأشار الوزير إلى أن الأسابيع الماضية سجلت واردات مائية مهمة على مستوى السدود الوطنية بلغت حوالي 482 مليون متر مكعب، ما ساهم في رفع نسبة ملء السدود إلى حوالي 34 في المائة، غير أن هذه المؤشرات الإيجابية رافقتها في المقابل مخاطر متزايدة في بعض المناطق الحضرية غير المؤهلة لاستيعاب التساقطات الغزيرة، كما هو الحال بمدينة آسفي.

وأكد المسؤول الحكومي أن الكارثة استدعت تدخلاً عاجلاً بتعليمات ملكية، تمثلت في إطلاق عمليات إغاثة فورية، وتعبئة فرق الإنقاذ والحماية المدنية، إلى جانب إحصاء شامل للأسر المتضررة والمساكن المنهارة، تمهيداً لصرف تعويضات مالية ودعم اجتماعي مباشر لفائدة المتضررين.

كما أكد الوزير تم التكفل بإيواء عشرات الأسر التي فقدت منازلها، وتوفير المساعدات الغذائية والطبية بشكل استعجالي.

وعلى المستوى التقني، أوضح الوزير أن فرقاً هندسية متخصصة باشرت دراسات دقيقة لتشخيص أسباب الفيضانات، وتحديد مكامن الخلل، مع العمل على تحيين الخرائط الوطنية للمناطق المعرضة للمخاطر، واعتماد معايير جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية المتسارعة.

كما تم التأكيد على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، التي تم تفعيلها بالمدينة في حدود الساعة الثامنة مساءً، رغم محدودية فعاليتها في بعض الأحياء بسبب ضعف قنوات التواصل وصعوبة الولوج.

وخلال التعقيبات البرلمانية، دعا نواب إلى تسريع إنجاز الأشغال الوقائية، وحماية الأحياء الهشة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتكرر فواجع مماثلة.

وتكشف فاجعة آسفي، بحصيلتها البشرية التي بلغت 37 ضحية، أن تحدي الفيضانات لم يعد مجرد إشكال تقني ظرفي، بل أصبح رهانا وطنيا يستدعي إرادة سياسية قوية، ومقاربة شمولية تضع سلامة المواطنين في صدارة الأولويات، وتنتقل من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق، تفادياً لنزيف بشري ومادي يتكرر مع كل موسم أمطار.

آخر الأخبار