بين تحميل المسؤوليات وتبرير التعثر.. ملف المباني الآيلة للسقوط يفجر نقاشا ساخنا

الكاتب : انس شريد

22 ديسمبر 2025 - 09:30
الخط :

في كل مرة تعبر فيها البلاد مرحلة اضطراب جوي أو تساقطات مطرية قوية، تتجدد المخاوف في أوساط آلاف الأسر القاطنة بالأحياء الشعبية والعتيقة بمختلف جهات المملكة، حيث لا تزال المباني الهشة والآيلة للسقوط تشكل خطرا يوميا يهدد الأرواح والممتلكات، رغم تعاقب البرامج الحكومية التي رفعت منذ سنوات شعار القضاء على السكن غير اللائق وتحسين شروط العيش بالمجالات الحضرية الهشة.

هذه الهواجس عادت بقوة إلى واجهة النقاش العمومي عقب الفواجع الإنسانية التي شهدتها مدن فاس وآسفي وألنيف، والتي أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، مخلفة صدمة واسعة في الرأي العام، ومطرحة بحدة أسئلة مرتبطة بمدى نجاعة السياسات العمومية في مجال التعمير، والسلامة العمرانية، ونجاعة آليات المراقبة والتدخل الاستباقي قبل وقوع الكوارث.

وخلف انهيار بنايتين سكنيتين بحي المستقبل بمدينة فاس حصيلة ثقيلة، بلغت 22 حالة وفاة و16 مصابا وفق المعطيات الرسمية، في واحدة من أكثر الحوادث المأساوية التي عرفتها المدينة في السنوات الأخيرة، ما فجر موجة عارمة من التعاطف والغضب، وأعاد إلى الواجهة مطلب المحاسبة وربط المسؤولية باستمرار تكرار مثل هذه المآسي، في ظل وجود آلاف الدور المصنفة ضمن خانة الخطر.

وأمام توالي هذه الوقائع، دخلت الأحزاب السياسية على خط النقاش، معتبرة أن ما يحدث لم يعد مجرد حوادث معزولة أو طارئة، بل يعكس اختلالا بنيويا في تدبير ملف المباني الآيلة للسقوط، سواء على مستوى التشخيص، أو على صعيد تنزيل البرامج الميدانية، أو فيما يتعلق بتداخل المسؤوليات بين مختلف المتدخلين محليا ومركزيا.

وفي هذا السياق، تناول النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة عبد الرحيم واعمرو، خلال مداخلة له في جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة اليوم الاثنين 22 دجنبر الجاري، قضية المباني الآيلة للسقوط، مؤكدا أن هذه الإشكالية قديمة وعابرة للحكومات، وتعد من أكثر القضايا العمرانية والاجتماعية حساسية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحق المواطنين في السكن الآمن والعيش الكريم.

وأشاد واعمرو بالمجهودات التي تبذلها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وبما وصفه بالتحول الهيكلي في مقاربة التعاطي مع هذا الملف، من خلال الانتقال من منطق إعادة الإيواء المؤقت إلى مقاربة إعادة الإسكان الفعلية، باعتبارها توجها إصلاحيا يضمن حلولا مستدامة، ويحفظ كرامة الأسر المتضررة، ويحد من إعادة إنتاج نفس الإشكالات في مواقع جديدة.

وشدد النائب البرلماني على ضرورة تبني مقاربة استباقية ترتكز على الوقاية قبل وقوع الكوارث، عبر تعزيز آليات المراقبة، وتسريع وتيرة التدخل في المباني المصنفة خطيرة، بما يضمن سلامة الساكنة وحماية ممتلكاتهم، داعيا إلى تجاوز منطق رد الفعل الذي لا يتحرك إلا بعد وقوع الفاجعة.

كما قدم واعمرو مثالا على الوضعية المقلقة ببعض المناطق، مشيرا إلى مدينة العطاوية بإقليم السراغنة، وتحديدا منطقة “دوار التراب”، حيث تعيش أسر عديدة تحت تهديد حقيقي بسبب هشاشة البنايات، مطالبا الجهات المختصة بإعطاء العناية اللازمة لهذه الحالات، وتسريع برامج المراقبة والتدخل لتفادي وقوع حوادث مماثلة في المستقبل.

من جهته، حمل كاتب الدولة لدى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلف بالإسكان، أديب ابن براهيم، الحكومة السابقة المسؤولية في تعثر إنجاز البرنامج المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط، معتبرا أن هذا التعثر ساهم في تفاقم الوضع وتأجيل حلول كانت مبرمجة منذ سنوات.

وأوضح ابن براهيم، في معرض جوابه على أسئلة النواب خلال نفس الجلسة، أن البرنامج كان من المنتظر أن ينتهي سنة 2021، بعدما تم منح الجماعة واللجنة المحلية جميع الإمكانيات اللازمة، غير أن اختلالات في التنزيل حالت دون تحقيق الأهداف المسطرة في الآجال المحددة.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الوزارة أعدت برنامجا تكميليا، ورصدت إمكانيات مالية جديدة من أجل توفير السكن اللائق لفائدة 780 أسرة، في إطار معالجة النقص المسجل وتسريع وتيرة التدخل لفائدة الفئات المعنية.

وبخصوص الفاجعة الأخيرة بمدينة فاس، أكد ابن براهيم أن البنايتين المنهارتين تدخلان ضمن برنامج إعادة الإيواء ومحاربة الصفيح، موضحا أن مالكيهما حصلوا على بقع أرضية ما بين سنتي 2005 و2007، وتوفروا على تراخيص لبناء طابق سفلي وطابقين، نافيا مسؤولية الوزارة أو الوكالة الحضرية في ما يتعلق بزيادة عدد الطوابق غير القانونية.

وحمل كاتب الدولة المنظومة المحلية مسؤولية تشييد طوابق إضافية غير مرخصة، متسائلا عن الجهات التي سمحت بإنجاز هذه الإضافات خارج القانون، ومؤكدا أن التحقيقات الجارية كفيلة بالكشف عن المسؤوليات وتحديد المتورطين في هذه الخروقات.

وكشف ابن براهيم أنه انتقل إلى مدينة فاس عقب الحادث، حيث عقد اجتماعا مع والي الجهة، تم خلاله الاتفاق على إخلاء المباني المجاورة لتلك المنهارة، كإجراء احترازي لتفادي وقوع انهيارات أخرى محتملة.

وفي تفاعل مباشر مع هذه التطورات، أمهل وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت عمال الأقاليم والعمالات مهلة شهرين من أجل جرد شامل ودقيق لعدد المباني العشوائية والآيلة للانهيار بمختلف المدن المغربية، في خطوة تهدف إلى امتلاك رؤية واضحة حول حجم الخطر واتخاذ قرارات عملية بناء على معطيات محينة.

وطلب لفتيت إحداث لجان إقليمية خاصة لتتبع ملف الدور الآيلة للسقوط، مباشرة بعد الفاجعة التي شهدتها مدينة فاس، مشددا في الدورية التي وجهها إلى عمال الأقاليم على ضرورة المراقبة الصارمة والجرد الدقيق لجميع المباني الخطرة المهددة بالانهيار في أي وقت.

كما تضمنت التوجيهات الصادرة تعليمات بعدم التساهل مع هذا الملف، واتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة في حق كل المخالفين، خاصة أولئك الذين يرفضون مغادرة المنازل المصنفة خطيرة، تفاديا لتكرار فواجع إنسانية جديدة.

وتعيد هذه التطورات المتلاحقة ملف المباني الآيلة للسقوط إلى صدارة النقاش العمومي، في وقت تتزايد فيه مطالب الفاعلين السياسيين والحقوقيين بضرورة القطع مع منطق التدخل بعد وقوع الكارثة، والانتقال إلى منطق الوقاية والاستباق، عبر تشخيص دقيق للمناطق المهددة، وتسريع وتيرة إعادة التأهيل، وتوضيح المسؤوليات، بما يضمن حماية الأرواح ويعيد الثقة في السياسات العمومية المرتبطة بالسكن والتعمير.

آخر الأخبار