من المواعيد الطويلة إلى “النوار”.. المعارضة تضغط ووزير الصحة يرد
شهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، أجواءً مشحونة بالنقاش والانتقاد، بعدما وجد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، نفسه في مواجهة مباشرة مع موجة قوية من الملاحظات البرلمانية التي أعادت إلى الواجهة اختلالات المنظومة الصحية العمومية، خاصة ما يتعلق بطول المواعيد الطبية، وضعف التنظيم داخل عدد من المستشفيات، واستمرار معاناة المواطنين مع الولوج إلى العلاج في ظروف توصف بغير اللائقة.
وخلال هذه الجلسة، عبّرت أصوات برلمانية، لاسيما من صفوف المعارضة، عن استيائها من استمرار مظاهر الفوضى داخل بعض الأقسام الاستشفائية، معتبرة أن ضعف التنظيم وسوء تدبير الاستقبال يؤديان إلى تأخير التدخلات الطبية، وهو ما ينعكس سلباً على حق المرضى في العلاج الفوري.
وعاد ملف طول المواعيد الطبية ليطفو بقوة تحت قبة البرلمان، بعدما وجهت النائبة البرلمانية فدوى محسن الحياني، عن الفريق الحركي، انتقادات حادة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، معتبرة أن هذا الإشكال لم يعد استثناءً أو حالة معزولة، بل تحول إلى معضلة بنيوية تمس بشكل مباشر حق المواطنين، خاصة الفئات الهشة، في الولوج إلى العلاج داخل آجال معقولة.
وأبرزت الحياني أن طول فترات الانتظار يفرض أعباء إضافية على الأسر، ويدفع عدداً من المرضى، في حالات كثيرة، إلى اللجوء للقطاع الخاص بحثاً عن العلاج، رغم محدودية إمكانياتهم المادية، مستحضرة حالة مريضة مُنحت موعداً طبياً بعد أكثر من سنة، في وقت كان وضعها الصحي يعرف تدهوراً مقلقاً.
وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن معالجة هذا الإشكال سجلت تحركات محدودة في بعض المدن، من بينها أكادير، عقب زيارة وزير الصحة، خاصة بعد تسجيل حالات وفاة، غير أن أقاليم أخرى، من ضمنها إقليم تازة، ما تزال تنتظر تدخلاً مماثلاً.
وفي لهجة شديدة النقد، أُثيرت مسألة المستفيدين من استمرار تأخر المواعيد الطبية، حيث اعتُبر أن المصحات والعيادات الخاصة تظل الرابح الأكبر من تعثر القطاع العمومي، في مقابل مواطنين لا يتوفرون على أي تغطية صحية أو لا يستفيدون من نظام “أمو التضامن”، ما يطرح إشكالات مرتبطة بالعدالة الصحية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج.
وأعاد هذا النقاش البرلماني تسليط الضوء على تساؤلات متجددة حول نجاعة السياسات الصحية المعتمدة، ومدى قدرتها على ضمان الحق الدستوري في العلاج، بعيداً عن منطق الانتظار الطويل الذي أصبح عنواناً لمعاناة شريحة واسعة من المواطنين.
وفي رده على هذه الانتقادات، أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن المستشفيات العمومية المغربية تواجه إكراهات متراكمة منذ سنوات، شملت البنيات التحتية والتجهيزات والموارد البشرية وجودة الاستقبال، موضحاً أن تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض كشف هذه الاختلالات بشكل أوضح، نتيجة الارتفاع غير المسبوق في الطلب على الخدمات الصحية، وهو ما جعل الضغط على المؤسسات الاستشفائية أكثر حدة، معتبراً أن هذا الوضع ليس ظرفياً، بل نتيجة تراكمات بنيوية.
وأوضح المسؤول الحكومي أن الوزارة اعتمدت مقاربة مزدوجة تقوم على الإصلاح الهيكلي طويل المدى، إلى جانب إجراءات استعجالية تهدف إلى تحسين الوضع اليومي للمواطنين، مبرزاً أن تنزيل القانون-الإطار 06.22 يشكل المرجعية الوطنية لهذا الإصلاح، إلى جانب استثمارات كبرى في البنيات التحتية لرفع القدرة الاستيعابية وتأهيل المؤسسات القائمة، وتعزيز الموارد البشرية عبر افتتاح كليات جديدة للطب والعلوم شبه الطبية.
وكشف الوزير عن تقدم ملموس في إعداد النصوص التطبيقية المرتبطة بالخريطة الصحية الوطنية والجهوية، التي يُنتظر عرضها قريباً للمصادقة بعد استطلاع آراء الهيئات المعنية، بالتوازي مع تطوير منصة رقمية وطنية للخريطة الصحية، تهدف إلى توفير رؤية دقيقة.
وبالموازاة مع هذه المشاريع، شدد الوزير على إطلاق مخطط الاستعجال لدعم الصحة، الذي يهدف إلى معالجة الاختلالات اليومية داخل المستشفيات، من خلال تأهيل أقسام المستعجلات، وتحسين خدمات الاستقبال والنظافة والتغذية والحراسة، وتعزيز توفر الأدوية والحد من الانقطاعات، مع تقوية آليات تتبع الشكايات والوضعية البشرية، خاصة فيما يتعلق بالمواعيد الطبية.
وفي محور آخر من النقاش، تطرق وزير الصحة إلى ما يُعرف بظاهرة “النوار” والمطالبة بمبالغ مالية أو شيكات ضمان خارج الإطار القانوني، مؤكداً أنها ممارسة غير قانونية وغير أخلاقية تمس بحقوق المرضى وبمصداقية ورش تعميم الحماية الاجتماعية، مشدداً على أن القانون المغربي يجرم هذه السلوكيات، سواء من خلال قانون مزاولة مهنة الطب أو مدونة التجارة والقانون الجنائي.
وكشف أن حملات التفتيش التي تباشرها المفتشية العامة للوزارة أظهرت تسجيل اختلالات لدى حوالي 80 في المائة من المصحات المفتشة، وأسفرت عن اتخاذ عقوبات إدارية عاجلة في حق عدد من المصحات، شملت التعليق الكلي أو الجزئي للنشاط وتحريك متابعات قضائية.
كما أظهرت المراقبة التقنية المرتبطة بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، حسب الوزير عدم احترام التعريفة المرجعية الوطنية لدى نسبة مهمة من المصحات.