فاجعة آسفي تواصل تحريك البرلمان والحكومة تتعهد بإنقاذ الحرفيين والتجار
أعادت الفيضانات العنيفة التي ضربت مدينة آسفي خلال الأيام الأخيرة إلى الواجهة بقوة سؤال هشاشة البنيات التحتية ومستوى الجاهزية لمواجهة الكوارث الطبيعية، بعد أن خلّفت حصيلة بشرية ثقيلة بلغت 37 وفاة، فضلاً عن خسائر مادية واسعة شملت مئات المساكن والمحلات التجارية، وأضراراً جسيمة طالت عدداً من المرافق العمومية وشبكات الطرق والتجهيزات الأساسية.
وتزامناً مع تصاعد هذا الجدل، أكد كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لحسن السعدي، أن الحكومة باشرت إعداد برنامج تدخل استعجالي وفوري للتخفيف من آثار الفيضانات التي شهدتها آسفي، والتي ألحقت أضراراً بالغة بعدد من الصناع التقليديين والتجار، مخلفة خسائر بشرية ومادية وُصفت بغير المسبوقة.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، جدّد المسؤول الحكومي تعازيه الحارة لأسر الضحايا ولكافة المتضررين، مشيداً بالعناية السامية التي يوليها الملك محمد السادس لرعاياه، ومبرزاً أن التعليمات الملكية السامية صدرت مباشرة عقب هذه الفاجعة قصد تعبئة مختلف القطاعات الحكومية لإعداد برنامج تدخل آنٍ يهدف إلى التخفيف من تداعياتها وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها في أقرب الآجال.
وأوضح السعدي أن البرنامج الحكومي يرتكز على تعويض الأسر المتضررة عن فقدان ممتلكاتها الشخصية، إلى جانب ترميم وإصلاح وإعادة تهيئة محلات الصناع التقليديين والتجار الذين تضررت أنشطتهم، بما يتيح لهم استئناف عملهم والاندماج من جديد في الدورة الاقتصادية المحلية، مؤكداً أن البعد الاجتماعي والإنساني يشكل جوهر هذا التدخل الاستعجالي.
وأكد السعدي أن المجهودات التي بذلتها كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، بشراكة مع غرفة الصناعة التقليدية، ساهمت بشكل ملموس في التخفيف من حدة الكارثة، مشيراً إلى أنه لولا إنجاز مشروع “قرية الخزف” لكانت الخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير.
وأوضح أن هذا المشروع، الذي رُصد له غلاف مالي يناهز 80 مليون درهم، ويضم 101 محل مجهز بأحدث التجهيزات والأفران، مكّن من حماية مئات الأرواح واحتضان أزيد من 100 ورشة حرفية كانت مهددة، قبل أن يتم إدماجها في هذا الفضاء الذي يراعي كرامة حرفيي آسفي ويحافظ على هوية إنتاج الفخار والخزف التي تشتهر بها المدينة.
كما أبرز كاتب الدولة أهمية المشاريع الاجتماعية المواكبة، لاسيما تخصيص 7 ملايين درهم لإنجاز دار المرأة الحرفية، في إطار دعم الصناعات التقليدية وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء الحرفيات، معتبراً أن هذه المبادرات تشكل رافعة أساسية لضمان صمود القطاع في وجه الأزمات.
وشدد على أن آثار برنامج التدخل الجاري الاشتغال عليه ستكون فورية وملموسة، بما يضمن الحفاظ على مكانة آسفي كقطب وطني للصناعة التقليدية، ويكرس استمرارية الإنتاج وصمود الصناع التقليديين في مواجهة الصدمات المناخية.
وفي موازاة ذلك، طُرحت فاجعة آسفي بقوة داخل جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، يوم أمس الاثنين حيث وُجه سؤال مباشر إلى وزير التجهيز والماء نزار بركة حول التدابير الاستعجالية التي تم اتخاذها للتخفيف من معاناة الساكنة المتضررة، في ظل أرقام صادمة كشفت عن حجم الخسائر البشرية والاجتماعية التي خلفتها السيول الجارفة، خاصة بالأحياء الهشة والمدينة العتيقة، التي سجلت أكبر عدد من الضحايا والانهيارات.
وجرى التأكيد خلال هذه المناقشات على أن ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، والاختناق المسجل على مستوى مجاري الأودية، إلى جانب التوسع العمراني غير المنضبط، عوامل ساهمت بشكل مباشر في تضخيم حجم الخسائر.
وفي تعقيبها، شددت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية ثورية عفيف على أن الكلفة البشرية المرتفعة للفيضانات تكشف فشل التدابير الاستباقية، وتطرح علامات استفهام كبرى حول مدى تفعيل الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث، معتبرة أن مدينة آسفي أصبحت نموذجاً صارخاً لاختلال العدالة المجالية، حيث تتحمل الفئات الهشة العبء الأكبر للكوارث، ومطالبة بإعلان المنطقة منكوبة لتمكين المتضررين من الدعم اللازم وجبر الأضرار.
من جانبه، أوضح وزير التجهيز والماء نزار بركة أن ما شهدته آسفي يندرج ضمن سياق مناخي استثنائي يتسم بتزايد حدة الظواهر القصوى، مشيراً إلى أن التساقطات الأخيرة كانت مكثفة جداً ووقعت في فترة زمنية قصيرة وعلى مجال جغرافي محدود، ما أدى إلى سيول مفاجئة داخل النسيج الحضري.
وأبرز أن المنشأة المخصصة للحماية من الفيضانات، والتي تمتد على مسافة تقارب 90 كيلومتراً، لم تستقبل سوى حوالي 200 ألف متر مكعب من المياه، رغم أن طاقتها الاستيعابية تصل إلى نحو 3.5 ملايين متر مكعب، بسبب مسار السيول التي مرت أسفل المدينة ولم تعبر المجرى المخصص لها.
وأشار الوزير إلى أن الأسابيع الماضية سجلت واردات مائية مهمة على مستوى السدود الوطنية بلغت حوالي 482 مليون متر مكعب، ما ساهم في رفع نسبة ملء السدود إلى نحو 34 في المائة، غير أن هذه المؤشرات الإيجابية رافقتها في المقابل مخاطر متزايدة في بعض المناطق الحضرية غير المؤهلة لاستيعاب التساقطات الغزيرة، كما هو الحال بمدينة آسفي.
وأكد أن الكارثة استدعت تدخلاً عاجلاً بتعليمات ملكية، تمثل في إطلاق عمليات إغاثة فورية، وتعبئة فرق الإنقاذ والحماية المدنية، إلى جانب إحصاء شامل للأسر المتضررة والمساكن المنهارة، تمهيداً لصرف تعويضات مالية ودعم اجتماعي مباشر، مع التكفل بإيواء عشرات الأسر التي فقدت منازلها وتوفير المساعدات الغذائية والطبية بشكل استعجالي.
وعلى المستوى التقني، أوضح الوزير أن فرقاً هندسية متخصصة باشرت دراسات دقيقة لتشخيص أسباب الفيضانات وتحديد مكامن الخلل، مع العمل على تحيين الخرائط الوطنية للمناطق المعرضة للمخاطر، واعتماد معايير جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية المتسارعة.
كما تم التأكيد على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، التي جرى تفعيلها بالمدينة في حدود الساعة الثامنة مساءً، رغم محدودية فعاليتها في بعض الأحياء بسبب ضعف قنوات التواصل وصعوبة الولوج.