المضاربات في أسواق السمك تطوق عنق المستهلك وتفجر نقاشا برلمانيا
تواصل أسعار الأسماك في المغرب تسجيل مستويات مرتفعة، في مشهد بات يؤرق شريحة واسعة من المواطنين ويطرح بشكل متكرر تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الوضع، رغم ما يزخر به البلد من ثروات سمكية هائلة ومؤهلات بحرية استراتيجية.
وقد عاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، حيث فجّر النقاش البرلماني نقاطاً حساسة تتعلق بنجاعة السياسات العمومية، واختلالات سلاسل التسويق، وتأثير المضاربة والوسطاء على القدرة الشرائية للمغاربة.
وخلال الجلسة، أثار تعقيب المستشار البرلماني عبد الله مكاوي، عن الفريق الحركي، نقاشاً قوياً عقب جواب كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، حول استراتيجية الحكومة الرامية إلى ضمان استفادة المواطنين من الثروات السمكية الوطنية.
وسجل مكاوي في مداخلته جملة من الملاحظات التي اعتبرها مؤشراً على اختلالات بنيوية عميقة داخل القطاع، رغم الاعتمادات المالية الضخمة والاستثمارات الكبرى التي رُصدت له خلال العقدين الأخيرين، إلى جانب إطلاق عدد من البرامج والاستراتيجيات القطاعية، من بينها البرنامج الوطني للاقتصاد الأزرق بشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
وأكد المستشار البرلماني أن هذه الجهود، ورغم الموقع الجغرافي المتميز للمغرب وامتداده على واجهتين بحريتين وتوفره على شريط ساحلي يناهز 3500 كيلومتر، لم تنعكس بالشكل المطلوب على المردودية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع، التي وصفها بأنها دون مستوى الطموحات والانتظارات.
واستند في ذلك إلى أرقام رسمية أبرز من خلالها أن قطاع الصيد البحري لا يساهم سوى بنسبة 1.1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويوفر حوالي 160 ألف منصب شغل مباشر ونحو 650 ألف منصب غير مباشر، وهو ما يطرح، بحسب تعبيره، علامات استفهام حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة في هذا المجال.
وانتقد مكاوي عدم تأثير الإصلاحات الحكومية المعلنة على أسعار الأسماك في الأسواق الوطنية، ولا على توسيع وتنويع العرض السمكي، في وقت كان يفترض فيه أن تشكل هذه المنتجات بديلاً غذائياً أساسياً للمغاربة، خاصة في ظل الارتفاع الكبير الذي تعرفه أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، نتيجة هشاشة سلاسل الإنتاج وهيمنة الوسطاء والمضاربين.
وبعيداً عن منطق التشخيص فقط، أكد الفريق الحركي، على لسان مستشاره، أن المدخل الأساسي لضمان استفادة المواطنين من الثروة السمكية الوطنية يمر عبر إعادة النظر في السياسات التي تعطي الأولوية للتصدير، والتي تستحوذ على حوالي 85 في المائة من الإنتاج الوطني، مع ضرورة تفعيل آليات صارمة لضبط سلاسل التوزيع، ومعالجة اختلالات التسويق، والحد من المضاربة والاحتكار.
وفي هذا الإطار، دعا عبد الله مكاوي إلى تمكين مجلس المنافسة من الاضطلاع بدوره الكامل في ضبط مسارات بيع الأسماك، حماية للقدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة الممارسات غير المشروعة التي تساهم في رفع الأسعار.
من جانبه، انتقد حسن آيت اصحا، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين، ظاهرة المضاربات في أسواق السمك، معتبراً أنها لم تعد مجرد سلوك ظرفي مرتبط بتقلبات العرض والطلب، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية تمس في العمق القدرة الشرائية للمواطن.
مؤكدا أن أثمنة السمك ما تزال تعرف ارتفاعاً غير مبرر، خاصة الأصناف التي تعرف إقبالاً شعبياً واسعاً، بعدما بلغ سعر السردين، حوالي 30 درهماً للكيلوغرام في عدد من الأسواق الشعبية.
وأكد المستشار البرلماني أن هذه الأسعار لا تعكس وفرة المنتوج ولا مجهودات الصيادين، بقدر ما تعكس توسع شبكات المضاربة وتعدد الوسطاء، داعيا إلى تعزيز المراقبة الصارمة للأسعار، وتكريس حكامة فعالة داخل أسواق السمك، مع تقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى تصل الثروة السمكية الوطنية إلى موائد المغاربة بأثمنة تراعي القدرة الشرائية.
من جهتها، أكدت زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، أن مصالحها بصدد مراجعة القانون المتعلق بتجار السمك بالجملة، خاصة ما يرتبط بشروط مزاولة هذا النشاط، في إطار الجهود الرامية إلى محاربة المضاربات وضبط السوق.
وأوضحت، في جوابها عن سؤال شفوي حول المضاربات في أسواق السمك، أن ولوج أسواق البيع بالجملة أصبح محصوراً في بائعي السمك بالجملة الحاصلين على البطاقة المهنية الخاصة، والذين يفوق عددهم حالياً 10 آلاف مهني، بهدف الحد من الممارسات غير القانونية التي تساهم في ارتفاع الأسعار.
وسجلت المسؤولة الحكومية أن المجهودات التي تبذلها الحكومة، بتنسيق مع مختلف الشركاء والسلطات المختصة، تروم تأمين حاجيات الأسواق الوطنية من جميع المنتوجات الغذائية، مع الحرص على ضبط الأسعار ومحاربة كل أشكال المضاربة والممارسات غير المشروعة.
وأكدت ذات المتحدثة، أن التدابير الحالية أفضت إلى توفير بنية تحتية متطورة تضم أزيد من 70 سوقاً لبيع المنتوجات البحرية، من بينها 61 سوقاً تعتمد رقمنة المزاد العلني، بالإضافة إلى شراكات أُبرمت مع الجماعات الترابية أسفرت عن إنجاز 10 أسواق للبيع الثاني بالجملة، إضافة إلى سوقين في طور الإنجاز، فضلاً عن تنزيل برنامج لإنجاز 8 أسواق قرب عصرية للبيع بالتقسيط في أفق سنة 2027.