مشجعون مغاربة وجزائريون في مدرج واحد.. الروح الرياضية تصفع أبواق الكابرانات

الكاتب : انس شريد

24 ديسمبر 2025 - 06:30
الخط :

شهدت مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط، زوال اليوم الأربعاء، مشهدًا لافتًا يعكس عمق القيم الرياضية والإنسانية التي لطالما ميّزت الجماهير المغربية، وذلك خلال مباراة المنتخب الجزائري ونظيره السوداني، انتهت بثلاثية نظيفة لصالح الخضر ضمن الجولة الأولى من منافسات كأس أمم إفريقيا التي تحتضنها المملكة المغربية.

فقد تواجد مشجعون مغاربة جنبًا إلى جنب مع أنصار المنتخب الجزائري، في صورة حضارية بعيدة كل البعد عن خطابات التوتر والتحريض التي حاولت بعض المنابر الإعلامية في الجارة الشرقية الترويج لها في الأسابيع التي سبقت انطلاق البطولة.

هذا الحضور المشترك داخل المدرجات لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل جسّد رسالة واضحة مفادها أن الجماهير المغربية قادرة على الفصل بين الرياضة والخلافات السياسية، وأنها تظل وفية لقيمها الأصيلة القائمة على حسن الاستقبال واحترام الضيف، مهما كانت محاولات التشويش أو بث الكراهية.

وقد بدت الأجواء داخل الملعب هادئة ومنظمة، حيث سادت الروح الرياضية، وغابت أي مظاهر توتر، في مشهد دحض عمليًا كل السيناريوهات السوداوية التي روجت لها بعض الأصوات المعادية.

ويأتي هذا السلوك الحضاري امتدادًا للصورة العامة التي طبعت انطلاقة نهائيات كأس أمم إفريقيا بالمغرب، حيث برز التنظيم المحكم والجاهزية العالية على مختلف المستويات، سواء من حيث البنية التحتية، أو التدبير الأمني، أو الخدمات اللوجستية المصاحبة للبطولة.

وهي عناصر لم تترك مجالًا للصدفة، بل جاءت نتيجة تخطيط دقيق ورؤية واضحة اعتمدتها المملكة من أجل إنجاح هذا الحدث القاري، في وقت كانت فيه بعض الجهات تترقب أي هفوة للنيل من صورة المغرب وتشويه نجاحه.

وفي هذا السياق، عكست الظروف التي وفّرت للمنتخب الجزائري منذ لحظة وصوله إلى المغرب مستوى الاحترافية الذي ميّز الاستقبال والتنظيم، حيث استفادت بعثة “الخضر” من إقامة مريحة وتنقلات سلسة ومرافق تستجيب للمعايير المعتمدة من قبل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

وقد أسهم ذلك في خلق أجواء إيجابية داخل المعسكر الجزائري، انعكست على استعدادات اللاعبين وتركيزهم على الجوانب التقنية والبدنية بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.

وأكد لاعبو المنتخب الجزائري في تصريحات صحفية أن ظروف الإقامة والتحضير كانت مواتية منذ اليوم الأول، ما انعكس إيجابًا على الأجواء داخل المجموعة، خاصة خلال الحصص التدريبية التي جرت في ظروف احترافية عالية.

وقد شدد قائد المنتخب رياض محرز على أن المشاركة في بطولة تُقام بدولة جارة توفر إحساسًا إضافيا بالراحة، دون أن يؤثر ذلك على الجدية المطلوبة داخل المستطيل الأخضر، مؤكدًا أن الهدف يبقى تقديم أفضل صورة ممكنة عن الكرة الجزائرية.

وأظهرت المعطيات المرتبطة بسير التحضيرات أن التنظيم المغربي حرص على توفير نفس الشروط لكافة المنتخبات المشاركة، دون تمييز، وهو ما عزز ثقة الوفود في قدرة المملكة على احتضان تظاهرات كبرى وفق مقاربة شمولية تراهن على الجودة والاستدامة.

كما حظيت الملاعب ومراكز التداريب بإشادة واسعة، بالنظر إلى جاهزيتها التقنية واحترامها للمعايير القارية والدولية، فضلًا عن البنيات الصحية والأمنية التي رافقت مجريات البطولة منذ انطلاقتها.

وتعكس هذه الأجواء العامة نجاح المغرب في تسخير خبرته المتراكمة في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، حيث لم تقتصر الجهود على الجوانب التقنية فقط، بل شملت أيضًا البعد الإنساني والثقافي، من خلال تكريس قيم الانفتاح وحسن الضيافة.

وهو ما جعل الجماهير المغربية تلعب دورًا محوريًا في إنجاح العرس القاري، عبر تقديم صورة إيجابية عن المدرجات الإفريقية، القائمة على التشجيع الحضاري والتعايش بين مختلف الجنسيات.

وفي المقابل، شكلت هذه الوقائع ردًا ميدانيًا وهادئًا على محاولات بعض المنابر الإعلامية الجزائرية التقليل من قيمة التنظيم المغربي أو التشكيك في نواياه، إذ جاءت الشهادات الصادرة عن أرض الواقع لتُبرز الفارق بين الخطاب المتشنج والحقيقة الملموسة.

فقد أجمع المتابعون ووسائل الإعلام الدولية على أن النسخة الحالية من كأس أمم إفريقيا تُعد من بين الأفضل على مستوى التنظيم وجودة الخدمات، ما يعزز مكانة المغرب كوجهة رياضية موثوقة على الصعيد القاري.

وبذلك، يواصل المغرب ترسيخ صورته كبلد قادر على الجمع بين النجاح التنظيمي والبعد القيمي، في بطولة تبرز أن التنافس الرياضي الشريف يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الاحترام المتبادل والتعايش، في مشهد يعكس الوجه الحقيقي لكرة القدم الإفريقية، ويؤكد أن المستطيل الأخضر يظل فضاءً للفرح والوحدة، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تغذية الأحقاد.

آخر الأخبار