هدم الأسواق يشرد التجار… مراسلات بالجملة على مكتب الوالي امهيدية
تشهد مدينة الدار البيضاء، خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدًا لافتًا في عدد الشكايات المرفوعة إلى مكتب والي جهة الدار البيضاء–سطات محمد امهيدية، على خلفية موجة واسعة من عمليات هدم المحلات التجارية والأسواق الشعبية، التي همّت عدداً من الأحياء ذات الكثافة السكانية والتجارية المرتفعة.
ورغم أن هذه العمليات تندرج في إطار برامج لإعادة التأهيل الحضري وتنظيم المجال العام وتحرير الملك العمومي، إلا أن تداعياتها الاجتماعية أفرزت حالة من الاحتقان المتزايد في صفوف التجار المتضررين، بسبب غموض مساطر التعويض وغياب حلول بديلة تضمن لهم استمرارية نشاطهم المهني.
وتفيد معطيات الجريدة 24 بأن عدداً من التجار والفعاليات المدنية والنقابية، إلى جانب منتخبين محليين، لجؤوا إلى مراسلة والي الجهة، مطالبين بتدخله العاجل من أجل معالجة ما وصفوه بالوضعية الاجتماعية الصعبة التي أفرزتها عمليات الهدم، خاصة في ظل فقدان عدد كبير من الأسر لمصدر عيشها اليومي.
وأكدت هذه الأطراف أن المقاربة المعتمدة، رغم طابعها التنظيمي، لم تُواكب بتدابير اجتماعية كافية تراعي أوضاع الفئات الهشة التي تعتمد كليًا على النشاط التجاري الصغير.
وفي هذا السياق، وجه مصطفى منظور، المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، رسالة رسمية إلى والي جهة الدار البيضاء–سطات، عبّر فيها عن قلقه إزاء ما تعرّض له عدد من التجار جراء هدم الأسواق النموذجية بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، التي كانوا يزاولون بها أنشطتهم التجارية منذ سنوات طويلة.
وأوضح في مراسلته أن التجار فوجئوا بقرارات الهدم دون توفير بدائل مناسبة تضمن لهم الاستمرار في كسب قوتهم اليومي، ما أدى إلى تشريدهم وحرمانهم من مورد رزقهم، خاصة وأن أغلبهم يعيل أسرًا ويعاني من أوضاع اجتماعية صعبة.
وأشار المستشار الجماعي إلى أن بعض هذه الأسواق تم تشييد ملاعب للقرب فوق نفس الوعاء العقاري الذي كانت تشغله، دون مراعاة الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن هذا القرار، مؤكداً أنه، ورغم تثمينه للمشاريع الرياضية والتنموية، فإن ذلك يجب ألا يتم على حساب حقوق التجار والحرفيين.
وشدد على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تُراعي البعد الاجتماعي، وتضمن توفير بدائل حقيقية قبل الإقدام على أي عملية هدم، حفاظًا على السلم الاجتماعي واحترامًا لمبدأ الحق في الشغل، ملتمسًا من والي الجهة فتح تحقيق في ظروف وملابسات هدم هذه الأسواق، وإيجاد حلول عاجلة ومنصفة للمتضررين.
وعلى المستوى الميداني، شهد حي درب الإنجليز خلال الأيام الأخيرة عملية هدم طالت حوالي أربعين محلًا تجاريًا، في إطار تدخل تنظيمي لإعادة تأهيل المنطقة. وبحسب معطيات متوفرة، فقد تم إبلاغ التجار المعنيين بأن حقوقهم ستظل محفوظة، وأنهم سيكونون مشمولين بإجراءات إعادة التوطين أو التعويض وفق الضوابط المعمول بها، بما يضمن الحفاظ على مصادر رزقهم وعدم إقصائهم من النسيج الاقتصادي المحلي.
وأسهمت هذه الوعود الرسمية في تهدئة نسبية للأجواء، في انتظار تفعيلها عمليا.
في المقابل، تعيش منطقة درب لوبيلا التابعة لمقاطعة سيدي بليوط وضعًا أكثر توترًا، عقب توجيه إشعارات إلى عدد من المحلات التجارية المقابلة للسوق الشعبي بضرورة إخلائها داخل أجل لا يتجاوز 15 يوما، في إطار عملية هدم مرتقبة تشرف عليها السلطات المحلية.
وقد وصف التجار هذا القرار بالمفاجئ، خاصة في ظل غياب توضيحات دقيقة حول مصيرهم بعد الإفراغ، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول معايير التعويض ومدى مراعاة الأوضاع الاجتماعية للأسر التي تعتمد بشكل كلي على هذه الأنشطة.
وتعد هذه المنطقة من أكثر النقاط حركية واكتظاظا وسط العاصمة الاقتصادية، وتشكل محلاتها الصغيرة مصدر عيش لعشرات الأسر منذ عقود. غير أن معطيات متطابقة تشير إلى أن التجار المعنيين بالإفراغ غير مشمولين بأي تعويض، خلافا لما جرى في عمليات سابقة مماثلة، وهو ما زاد من حدة التوتر، خصوصًا أن عددًا منهم يزاول نشاطه منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا ويعتمد عليه كمورد رزق وحيد.
ولا تقتصر حالة الاحتقان على هذه المناطق فقط، إذ تشهد الدار البيضاء بشكل عام توترا اجتماعيا متزايدا بسبب حملة هدم الأسواق التي انطلقت خلال الأشهر الماضية.
وتتصدر مقاطعة الحي الحسني قائمة المناطق الأكثر تضررًا، حيث وجد عدد كبير من التجار أنفسهم دون فضاءات بديلة لما يقارب ثلاثة أشهر، عقب هدم أسواق معروفة بالمنطقة، مثل “دالاس” و“صورصا 1 و2” خلفت أوضاعاً اجتماعية صعبة، نتيجة توقف النشاط التجاري وفقدان الدخل اليومي، في ظل غياب حلول عملية لتعويض الخسائر أو تمكين التجار من أماكن بديلة لمزاولة نشاطهم.
وقد انعكست هذه الأزمة على أشغال بعض المجالس المنتخبة، حيث شهدت دورات رسمية نقاشات محتدمة، ووجهت انتقادات حادة لطريقة تدبير الملف، مع التحذير من تفاقم الاحتقان الاجتماعي في ظل ارتفاع مؤشرات البطالة والهشاشة.
كما لا يزال تجار مناطق أخرى، من بينها المدينة القديمة، يعيشون على وقع القلق بعد هدم محلاتهم في إطار مشاريع تأهيل كبرى، في وقت ما زال فيه عدد منهم ينتظر مصير التعويضات أو إمكانية نقله إلى أسواق بديلة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن غياب استراتيجية شاملة وواضحة لمعالجة ملف الأسواق المهدمة يسهم في تعميق فجوة الثقة بين التجار والجهات المسؤولة، ويعكس محدودية المقاربة المعتمدة في التوفيق بين متطلبات التأهيل الحضري وضمان الحقوق الاجتماعية للفئات المهنية الهشة.
وفي ظل هذا الوضع، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات استعجالية تقوم على توفير فضاءات بديلة لائقة، واعتماد برامج تعويضية شفافة، وتسريع وتيرة التنفيذ، تفاديًا لأي تصعيد اجتماعي محتمل قد تكون له انعكاسات أوسع على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعاصمة الاقتصادية.