مبيدات عالية الخطورة في السوق المغربية تثير تحذيرات دولية وتحركا برلمانيا
يشهد ملف استيراد المبيدات الزراعية في المغرب تصاعداً ملحوظاً في حدة الجدل، على خلفية تحذيرات دولية متزايدة من مخاطر صحية وبيئية جسيمة مرتبطة بتداول مواد كيميائية يُحظر استعمالها داخل الاتحاد الأوروبي، بينما يُسمح بتصديرها إلى دول أخرى من بينها المملكة.
وقد أعاد هذا المعطى فتح نقاش واسع حول مدى صلابة منظومة المراقبة الوطنية، وحول المسؤوليات المتداخلة بين الجهات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين في ضمان سلامة الإنسان والبيئة.
التحذيرات الأخيرة استندت إلى معطيات كشفت عنها تقارير دولية متخصصة في تتبع تجارة المواد الكيميائية الزراعية، والتي نبهت إلى استمرار تدفق مبيدات عالية السمية إلى أسواق دول نامية، رغم ثبوت مخاطرها على الصحة العامة والتوازنات البيئية.
وحسب تقرير مشترك صادر عن منظمتي “Public Eye” و“Unearthed”، فإن دول الاتحاد الأوروبي وشركات أوروبية واصلت خلال سنة 2024 تصدير ما يقارب 122 ألف طن من المبيدات المصنفة ضمن المواد المحظورة، إلى عشرات الدول عبر العالم، من بينها المغرب.
في هذا السياق، برز المغرب حسب التقرير ضمن قائمة الدول التي تستورد كميات مهمة من هذه المبيدات، وهو ما أثار تساؤلات حول مساطر الترخيص المعتمدة، وكيفية مراقبة سلاسل التوريد والتوزيع، ومدى التزام المستوردين بالمعايير الوطنية والدولية المتعلقة بالسلامة الصحية.
كما أعاد النقاش حول الفجوة القائمة بين القوانين الأوروبية الصارمة التي تمنع استعمال هذه المواد داخل حدود الاتحاد، والسياسات التجارية التي تتيح تصديرها إلى الخارج.
التفاعل مع هذه التطورات لم يقتصر على المستوى الدولي، بل امتد إلى الساحة البرلمانية، حيث بادرت النائبة نعيمة الفتحاوي، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
واستفسرت النائبة البرلمانية عن التدابير التي اتخذتها الوزارة من أجل حماية الأمن الصحي والبيئي الوطني من مخاطر هذه المبيدات.
كما طالبت بتوضيح آليات المراقبة المعتمدة للحد من دخول المواد المحظورة أو الخطيرة إلى السوق المغربية، وضمان سلامة المنتوجات الفلاحية الموجهة للاستهلاك الداخلي.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في وقت يتنامى فيه القلق من الانعكاسات المحتملة لاستعمال مبيدات مصنفة كمسرطنة أو شديدة السمية، سواء على صحة الفلاحين والمستهلكين أو على الموارد الطبيعية، لاسيما التربة والمياه.
وحذر مختصون في المجال البيئي مرارا من أن التأثيرات السلبية لهذه المبيدات لا تقتصر على المستهلك النهائي فقط، بل تطال أيضاً الفلاحين والعاملين في القطاع الزراعي، إضافة إلى انعكاساتها طويلة الأمد على التربة والمياه الجوفية والتنوع البيولوجي.
في المقابل، طالبت المعارضة البرلمانية في أكثر من مرة بتعزيز الشفافية في هذا الملف، ونشر لوائح واضحة للمبيدات المرخصة والممنوعة، وتشديد العقوبات في حق المخالفين.
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى رد وزارة الفلاحة على التساؤلات البرلمانية، وإلى ما ستسفر عنه النقاشات المرتقبة بشأن تعزيز آليات المراقبة والتشديد على شروط الاستيراد، بما يضمن حماية صحة المواطنين والحفاظ على البيئة.
كما يُنتظر أن يفتح هذا الملف نقاشاً أوسع حول ضرورة مراجعة السياسات الدولية الخاصة بتجارة المواد الكيميائية الزراعية، بما يضع حداً لازدواجية المعايير ويكرس مبدأ المسؤولية المشتركة في مواجهة المخاطر العابرة للحدود.