وفرة الأغنام لا تكبح الغلاء.. أسعار اللحوم تؤجج الانتقادات البرلمانية
تواصل أسعار اللحوم الحمراء في المغرب إثارة الجدل السياسي والاجتماعي، في ظل استمرارها عند مستويات مرتفعة رغم وفرة العرض المسجلة في سوق الأغنام، وما رافق ذلك من إجراءات حكومية استثنائية همّت تسهيل الاستيراد وإعفاءه من الرسوم والضرائب.
هذا التناقض بين المؤشرات المتاحة والواقع المعيشي للمواطنين أعاد ملف الغلاء إلى واجهة النقاش البرلماني، باعتباره أحد أبرز مظاهر الضغط المتواصل على القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حياة لعرايش، سؤالاً كتابياً إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، نبهت فيه إلى استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء رغم تسجيل فائض في الأغنام، معتبرة أن هذا الوضع يترتب عنه إقصاء شريحة واسعة من المواطنين من استهلاك مادة غذائية أساسية، تشكل مصدراً مهماً للبروتين والحديد.
وأكدت النائبة أن هذا الغلاء لا ينعكس فقط على نمط الاستهلاك، بل يحمل آثاراً صحية واجتماعية بعيدة المدى، خاصة في صفوف الأطفال والفئات الهشة.
وأبرزت لعرايش أن استمرار ارتفاع الأسعار يدفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات ميزانياتها، حيث تضطر إلى تحويل موارد كانت مخصصة للتعليم أو الصحة أو الادخار نحو تغطية تكاليف الغذاء، ما يولد ضغوطاً مالية ونفسية متزايدة.
وفي هذا الإطار، تساءلت البرلمانية عن التدابير التي تعتزم الوزارة الوصية اتخاذها من أجل حماية المستهلك من التهاب أسعار اللحوم وضمان ولوج عادل لهذه المادة الأساسية.
وتأتي هذه التساؤلات في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن أسعار اللحوم الحمراء لا تزال مستقرة في مستويات مرتفعة، إذ يتراوح ثمن الكيلوغرام الواحد من اللحوم المستوردة ما بين 85 و90 درهماً، في حين يناهز سعر اللحوم المحلية 120 درهماً، دون تسجيل أي مؤشرات ملموسة على الانخفاض.
وهو ما عمّق حالة الاستياء في أوساط المستهلكين، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين كلفة الاستيراد وأسعار البيع بالتقسيط داخل الأسواق الوطنية.
وكانت الحكومة قد راهنت، خلال الأشهر الماضية، على توسيع دائرة استيراد الأبقار بهدف تعزيز العرض الوطني وتفادي أي نقص محتمل في السوق، خاصة في أفق سنة 2026.
وفي هذا الإطار، صادق مجلس النواب، في قراءة ثانية لمشروع قانون المالية لسنة 2026، على تعديل حكومي يقضي بإعفاء استيراد الأبقار والجمال من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، في حدود 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الجمال.
وبررت الحكومة هذا الإجراء بنتائج الإحصاء الوطني للقطيع المنجز خلال صيف 2025، والذي كشف عن تراجع يناهز 30 في المئة في القطيع الوطني من الأبقار، إلى جانب معطيات رسمية تؤكد أن لحوم الأبقار تمثل نحو 80 في المئة من إجمالي استهلاك اللحوم الحمراء في المغرب، ما يثير مخاوف من اختلالات محتملة في التزويد إذا لم يتم تعزيز الواردات.
غير أن هذا التوجه لم يحظ بإجماع داخل المؤسسة التشريعية، إذ عبّر عدد من نواب المعارضة عن تحفظاتهم إزاء جدوى هذه الإعفاءات في كبح جماح الأسعار.
وفي مقدمتهم عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، الذي اعتبر أن الإشكال يتجاوز مسألة العرض، ليصل إلى بنية السوق نفسها واختلالات سلسلة التوزيع.
وخلال مناقشة المشروع، أثار بووانو ما وصفه بمفارقات صادمة، من بينها استيراد بعض المنتجات، مثل الكبد، بأثمان منخفضة لا تتجاوز ثلاثة دراهم للكيلوغرام الواحد، قبل أن تُعرض على المستهلك المغربي بأزيد من 170 درهماً.
واعتبر أن هذا التفاوت الكبير يطرح علامات استفهام جدية حول غياب الرقابة على هوامش الربح، وعلى الأدوار التي تلعبها حلقات الوساطة بين المستورد والمستهلك النهائي.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن النقاش حول أسعار اللحوم الحمراء لم يعد ظرفياً أو مرتبطاً بمناسبات معينة، بل أصبح إشكالاً بنيوياً يستدعي معالجة شمولية، بدل الاكتفاء بإجراءات ظرفية لا تضمن بالضرورة انعكاساً مباشراً على أسعار البيع.
ودعا إلى إرساء آليات صارمة لضبط السوق ومراقبة مسالك التوزيع، بما يضمن استفادة المستهلك من أي دعم أو إعفاء تقرره الدولة.
في المقابل، تواصل الحكومة التأكيد على أن سياستها تروم الحفاظ على توازن السوق الوطنية وتفادي أي خصاص محتمل في التزويد، مشددة على أن الإعفاءات الضريبية تندرج ضمن رؤية استباقية للحد من ارتفاع الأسعار.
غير أن هذا الخطاب لا يبدد، وفق منتقديه، مخاوف المواطنين الذين لم يلمسوا أثراً ملموساً لهذه الإجراءات في حياتهم اليومية.
وبين رهان الحكومة على الاستيراد كحل مرحلي، ومطالب المعارضة والمجتمع بضرورة إصلاح منظومة الإنتاج والتسويق وضبط الأسعار، يبدو أن ملف اللحوم الحمراء مرشح لمزيد من التجاذب السياسي خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل استمرار الهوة بين القرارات المعلنة وواقع الأسواق، تتعزز الدعوات إلى سياسات أكثر عدالة ونجاعة، تضع المستهلك في صلب الاهتمام، وتحوّل التدخلات العمومية من مجرد إجراءات تقنية إلى حلول تمس جوهر الاختلال القائم.