ملف دعم الجمعيات يستنفر مقاطعات الدار البيضاء وسط مخاوف من الزبونية

الكاتب : انس شريد

25 ديسمبر 2025 - 08:30
الخط :

تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الأيام الأخيرة حركية غير مسبوقة في ملف دعم الجمعيات النشيطة في المجالات الاجتماعية والثقافية والرياضية، في سياق يتسم بتزايد المطالب بترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، والقطع مع كل الممارسات التي ظلت لسنوات محط انتقاد داخل الأوساط الجمعوية والسياسية.

ووفقا لمصادر "الجريدة 24"، فقد شرعت مقاطعات العاصمة الاقتصادية في تفعيل مسطرة جديدة تقوم على إجراء مقابلات مباشرة مع الجمعيات التي تم قبول ملفاتها الأولية، بهدف الوقوف بشكل دقيق على طبيعة المشاريع المقدمة، ومدى واقعيتها، وقدرة حامليها على تنزيلها على أرض الواقع، وذلك بحضور لجان مختصة تسهر على احترام المساطر القانونية المعمول بها.

وتأتي هذه الخطوة، بحسب مصادر مطلعة، في إطار سعي جماعة الدار البيضاء إلى تحصين عملية منح الدعم العمومي من أي شبهة تلاعب أو تبادل للمصالح، وضمان توزيع عادل للموارد المالية العمومية، بعيدا عن منطق “الزبونية” والمحسوبية.

وتعتمد المقاربة الجديدة، التي تم الشروع في تنزيلها، على تقييم المشاريع المقدمة من طرف الجمعيات المقبولة وفق معايير موضوعية، مع إتاحة الفرصة لها لشرح تصوراتها وبرامجها أمام أعضاء اللجنة المختصة، في مسعى لإرساء حكامة جيدة في تدبير المال العام.

وتؤكد المعطيات ذاتها أن هذا التوجه يروم تجاوز ممارسات سابقة كانت تعتمد أساسا على الاكتفاء بدراسة الملفات الورقية دون تمحيص كافٍ في قدرة الجمعيات على تنفيذ التزاماتها، أو تتبع الأثر الحقيقي للدعم الممنوح لها.

كما يندرج هذا المسار ضمن رؤية أوسع لجماعة الدار البيضاء، التي سبق أن أعلنت اعتماد الرقمنة في تدبير ملف دعم الجمعيات، بهدف تعزيز الشفافية، وتوحيد المساطر، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الجمعويين.

غير أن هذا الورش لم يخلُ من نقاشات حادة داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، حيث فجّرت طريقة تنزيل معايير الدعم وتفعيلها مواقف متباينة بين المنتخبين.

وفي هذا السياق، أثارت تدوينة مطولة نشرها أحمد مفتاح، عضو مجلس جماعة الدار البيضاء وعضو لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية، جدلا واسعا، بعدما عبّر فيها عن رفضه لما اعتبره محاولات للالتفاف على قرارات المجلس ومقرراته، والتنكر للضوابط القانونية المؤطرة لعملية منح الدعم.

وأكد مفتاح، في موقفه العلني، أن الامتثال للقانون يظل أمرا مطلوبا وملزما للجميع، غير أن الضغط من أجل خرقه أو اعتماد معايير جديدة دون الرجوع إلى المجلس المنتخب يشكل مساسا بسمعة المؤسسات وبمبدأ سيادة القانون.

وشدد على أن الدستور المغربي يظل أسمى القوانين، تليه القوانين التنظيمية ثم القوانين العادية، بما فيها المقررات الصادرة عن المجالس المنتخبة، معتبرا أن أي مقرر صادق عليه المجلس لا يمكن إلغاؤه أو تعديله إلا بمقرر مماثل يصدر عن الجهة نفسها.

وفي هذا الإطار، طرح عضو المجلس جملة من التساؤلات حول ما يجري داخل القطاع الثقافي والرياضي، خاصة فيما يتعلق بمعايير وشروط الاستفادة من الدعم العمومي المخصص للجمعيات.

وتساءل عما إذا كانت التقارير الصادرة عن اللجان المختصة، والمتضمنة لتوصيات واضحة بشأن المعايير والرقمنة، قد تم التعامل معها بالجدية المطلوبة، أم أن تغييرات طالت مضامينها في الكواليس دون علم أعضاء اللجنة والمجلس، رغم حضور ممثلي سلطة الولاية لاجتماعاتها.

كما عبّر عن استغرابه مما اعتبره تنكرا صريحا من قبل النائب المفوض له في القطاع الثقافي والرياضي لمبدأ اعتماد المعايير والرقمنة، رغم أن محاضر الاجتماعات السابقة، بحسبه، تثبت عكس ذلك.

واعتبر أن اعتماد شروط جديدة أو إلغاء أخرى بشكل انفرادي، دون الرجوع إلى المجلس وأخذ موافقته، يشكل خرقا واضحا للمساطر القانونية، ويفتح الباب أمام ازدواجية المعايير داخل المؤسسة نفسها.

وتوقف مفتاح عند مسألة استفادة بعض الجمعيات من دعم اجتماعي، ثم استفادتها مرة أخرى من دعم القطاع الثقافي والرياضي، في الوقت الذي يتم فيه إقصاء جمعيات أخرى لم يسبق لها الاستفادة، رغم أن الجهة المانحة واحدة، والمعايير المصادق عليها تمنع هذا التداخل.

كما أثار مسألة اعتماد نصوص قانونية معينة لإقصاء جمعيات القرب، خاصة تلك التي تنشط في الأحياء الهامشية لفائدة الأطفال والشباب، رغم أن قوانينها الأساسية تتضمن بنودا تخول لها ممارسة الأنشطة الرياضية.

ويأتي هذا السجال في سياق سابق ناقشت فيه لجنة الشؤون الاجتماعية والثقافية والرياضية والتنمية البشرية بمجلس المدينة قيمة المنح المخصصة للجمعيات برسم السنة المالية الجارية، والتي قُدّرت بحوالي 400 مليون سنتيم، وهو مبلغ أثار بدوره انتقادات واسعة داخل المجلس وخارجه، بالنظر إلى حجم مدينة الدار البيضاء، وكثافة نسيجها الجمعوي، واتساع حاجياتها الاجتماعية والثقافية والرياضية.

وفي خضم هذا النقاش، عبّر عدد من المنتخبين، وفق مصادر متطابقة، عن استيائهم من الطريقة التي تم بها تحديد المبالغ المخصصة للدعم، معتبرين أن المنح تفتقر إلى رؤية واضحة تربط التمويل بالأثر الميداني للمشاريع، وتضمن توزيعا عادلا ومنصفا بين مختلف الجمعيات.

وكان من بين الأصوات المنتقدة عبد الغني المرحاني، عضو مجلس المدينة، الذي أبدى تحفظه بشأن المعايير المعتمدة، معتبرا أنها تطرح إشكالات تمس جوهر العدالة في توزيع الدعم.

ويرى المرحاني أن الغلاف المالي المخصص للجمعيات يبقى ضعيفا مقارنة بحجم الأنشطة المنتظرة منها، خاصة في مدينة كبرى تعرف دينامية متسارعة وتتطلب إمكانيات مالية وبشرية مهمة.

كما اعتبر أن هذا الدعم المحدود لا يمكّن الجمعيات من الاضطلاع بأدوارها التنموية والاجتماعية على الوجه المطلوب، خصوصا إذا ما قورن بتكاليف أنشطة نظمتها مؤسسات تابعة للمدينة، وناهزت ميزانياتها مئات الملايين من السنتيمات.

وتذهب آراء عدد من المنتخبين إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الدعم، بل في طريقة توزيعه ومعايير الاستفادة منه، إذ لا تراعي، في نظرهم، الوزن الحقيقي للجمعيات ولا مدى تأثيرها داخل محيطها الاجتماعي، ما يؤدي إلى استمرار اختلالات بنيوية في منظومة الدعم العمومي، بين جمعيات نشيطة تحرم من التمويل الكافي، وأخرى تستفيد دون أن تقدم برامج ذات أثر ملموس.

وفي انتظار ما ستسفر عنه عملية المقابلات الجارية مع الجمعيات، يبقى ملف دعم المجتمع المدني بالدار البيضاء مفتوحا على نقاش واسع، يتقاطع فيه السياسي بالقانوني والتنموي، وسط مطالب متزايدة بترسيخ حكامة حقيقية، تجعل من الدعم العمومي رافعة فعلية للتنمية المحلية، وأداة لتعزيز الثقة بين المؤسسات المنتخبة والفاعلين الجمعويين.

آخر الأخبار