تمدرس الأطفال يرتفع لكن اختلالات الجودة مستمرة
رغم التقدم الذي حققه المغرب على مستوى تعميم التعليم الأولي خلال السنوات الأخيرة، كشف تقييم رسمي أن المشكل الحقيقي لم يعد مرتبطا بعدد الأطفال الممدرسين، بل بجودة ما يقدم داخل الأقسام وباستمرار اختلالات بنيوية تهدد فعالية هذه المرحلة الأساسية من المسار التعليمي.
التقرير الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أكد أن نسب الولوج عرفت تحسنا واضحا، إذ انتقلت من حوالي 50 في المائة سنة 2015 إلى أكثر من 70 في المائة سنة 2025، غير أن هذا التوسع السريع في العرض لم يواكبه تطور مماثل في جودة التعلمات وشروط الاستقبال، خاصة داخل عدد من وحدات التعليم العمومي وغير المهيكل.
ولفت التقييم إلى أن عددا من الأقسام لا تزال تعتمد ممارسات تربوية محدودة التفاعل، تركز على التلقين أكثر من تنمية القدرات النمائية والتواصلية للأطفال، في ظل فضاءات تعليمية تفتقر أحيانا إلى التجهيزات الأساسية والمرافق الصحية الملائمة، ما يحول التمدرس المبكر إلى حضور شكلي يفتقد للبعد التربوي الحقيقي.
وسجل التقرير تفاوتا كبيرا في وضعية المربيات والمربين على مستوى التكوين والتأهيل وشروط العمل، خاصة بين التعليم العمومي وغير المهيكل.
ونبه إلى أن هشاشة الوضع المهني، وضعف الاستقرار والأجور، تنعكس بشكل مباشر على جودة التأطير داخل الأقسام، وتحد من إمكانية بناء تعليم أولي قائم على المهنية والاستمرارية.
ورغم تسجيل نسب ولوج مرتفعة في الوسط القروي، فإن الفوارق المجالية والاجتماعية لا تزال قائمة على مستوى جودة التعلمات، حيث يلج أطفال المناطق الهشة وحدات أقل تجهيزا وتأطيرا، ما يعمق الفجوة التعليمية منذ السنوات الأولى بدل تقليصها، ويعيد إنتاج اللامساواة داخل المنظومة، يقول المصدر.
ولا يخفي التقرير محدودية إدماج الأطفال في وضعية إعاقة داخل التعليم الأولي، سواء بسبب غياب تجهيزات مناسبة أو نقص التكوين المتخصص للمربيات، وهو ما يجعل مبدأ الإنصاف غير مكتمل التطبيق على أرض الواقع، رغم ما ينص عليه الإطار المرجعي للمنظومة التربوية.
ويخلص التقييم إلى أن الرهان الأساسي لم يعد هو توسيع العرض أو رفع نسب التمدرس، بل ضمان تعليم أولي ذي جودة موحدة يخضع لمعايير واضحة ومراقبة فعالة، مع تحسين حكامة القطاع وتوحيد طرق التمويل والتدبير، والانتقال من منطق الكم إلى منطق الجودة والإنصاف.
ويشدد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على أن معالجة اختلالات التعليم الأولي تمر بالضرورة عبر تحسين الوضعية المهنية والاجتماعية للمربيات والمربين، وتفعيل دور الجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة، وتوجيه التمويل العمومي نحو تقليص الفوارق المجالية، محذرا من أن استمرار هذه الاختلالات سيجعل التعليم الأولي عاجزا عن أداء دوره كرافعة للعدالة التربوية وبداية سليمة للمسار الدراسي للأطفال.