هل اقترب الوزير السكوري من إنهاء معاناة حراس الأمن الخاص؟
يشكل قطاع الحراسة الخاصة أحد الأعمدة الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسات العمومية والخاصة على حد سواء، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يضطلع به العاملون فيه في تأمين المرافق، وضمان استمرارية الخدمات.
ورغم هذه الأهمية المتزايدة، لا تزال هذه الفئة المهنية تعيش أوضاعًا اجتماعية ومهنية صعبة، في ظل اختلالات مزمنة تطبع علاقتها ببعض الشركات المتعاقدة، وتنعكس بشكل مباشر على استقرارها المعيشي وكرامتها المهنية.
وعلى مدى سنوات، اشتكى أعوان الحراسة الخاصة من ممارسات وُصفت بغير القانونية، تتعلق أساسًا بعدم احترام دفاتر التحملات المنظمة للقطاع، وتأخر صرف الأجور لشهور في بعض الحالات، إضافة إلى حرمانهم من التعويض عن الساعات الإضافية، وغياب التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الأمر الذي يحرمهم من الاستفادة من التغطية الصحية ومن حقوقهم في التقاعد.
كما أفضت هذه الأوضاع إلى تعميق حالة الهشاشة الاجتماعية في صفوف فئة تعتمد في الغالب على هذا العمل كمورد رزق وحيد لإعالة أسرها.
وتزداد معاناة العاملين في هذا القطاع مع لجوء بعض المؤسسات إلى إنهاء عقود العمل بطرق تعسفية، دون احترام المساطر القانونية أو تمكين الأجراء من حقوقهم الأساسية، وهو ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع البطالة والفقر، في غياب آليات فعالة للرقابة والزجر.
كما تشير معطيات نقابية إلى أن عددا كبيرا من الأعوان يشتغلون لما يقارب 12 ساعة يوميا، مقابل أجور هزيلة لا ترقى إلى الحد الأدنى القانوني، في خرق واضح لمقتضيات مدونة الشغل.
وأمام هذا الوضع، ما فتئت النقابات المهنية تطالب بإصلاحات جذرية تضع حدًا لهذه الاختلالات، وتضمن شروط عمل لائقة تحترم الكرامة الإنسانية للأجراء.
وقد تصاعدت وتيرة الاحتجاجات خلال الفترات الأخيرة، كان أبرزها تنظيم حملة “الشارة الحمراء”، التي جاءت للتعبير عن رفض الساعات المفرطة وعدم احترام الحد الأدنى للأجور، والمطالبة بتدخل حكومي عاجل لإنصاف هذه الفئة.
وفي تطور لافت أعاد الأمل إلى شريحة واسعة من العاملين في القطاع، أكدت لبنى نجيب، الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة، قرب انفراج هذا الملف، خاصة في ما يتعلق بساعات العمل والحد الأدنى للأجور.
وأوضحت، في تدوينة نشرتها على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنها عقدت لقاءً مع وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، الذي طمأنها بشأن مآل هذا الملف.
وحسب المصدر ذاته، فإن الوزير أكد أن الإشكالات المرتبطة بالساعات المفرطة وعدم احترام الحد الأدنى للأجور بالنسبة لأعوان الحراسة الخاصة سيتم الحسم فيها خلال شهر يناير من سنة 2026، في أفق وضع إطار أكثر إنصافًا ينظم العلاقة الشغلية داخل هذا القطاع.
كما أشارت الكاتبة العامة للنقابة إلى أنه من المرتقب توجيه دعوة رسمية للنقابة الوطنية لعقد اجتماع مع الجهات المعنية، قصد التطرق إلى مختلف حيثيات الملف، وبحث السبل الكفيلة بتنزيل حلول عملية ومستدامة.
ويعد ملف الساعات المفرطة والحد الأدنى للأجور من أكثر القضايا إلحاحًا لدى هذه الفئة، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على ظروف عيشها واستقرارها الاجتماعي، وهو ما جعل منه محورًا رئيسيًا في التحركات الاحتجاجية الأخيرة.
كما يعكس التفاعل الحكومي مع هذه المطالب إدراكًا متزايدًا لحجم التحديات التي يواجهها القطاع، وضرورة إعادة تنظيمه بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستثمار واحترام حقوق الأجراء.
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع تسعى من خلاله السلطات العمومية إلى تحسين مناخ الشغل، وتعزيز العدالة الاجتماعية داخل سوق العمل، عبر تقوية آليات المراقبة، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان احترام القوانين الاجتماعية.
كما يندرج ضمن رؤية تهدف إلى خلق بيئة عمل منصفة تحفظ كرامة العمال، دون الإضرار بدينامية المقاولة وتشجيع الاستثمار، بما يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة.
وبين الانتظارات الكبيرة التي تعبر عنها الشغيلة العاملة في قطاع الحراسة الخاصة، والالتزامات المعلنة من طرف الحكومة، يظل الرهان معلقًا على مدى ترجمة هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، قادرة على إنهاء سنوات من المعاناة، وفتح صفحة جديدة قوامها الإنصاف والاستقرار الاجتماعي.