اختلالات إدارية وعقارية بالدار البيضاء على طاولة الوالي امهيدية
تشهد عمالة مقاطعات الحي الحسني بمدينة الدار البيضاء وضعًا متوترًا على مستوى عدد من القضايا الاجتماعية والعقارية والإدارية، في ظل تراكم شكايات ومراسلات رسمية رفعت إلى والي جهة الدار البيضاء–سطات، تحذر من اختلالات توصف بالخطيرة، لما لها من تأثير مباشر على حقوق جماعية ومصالح فئات واسعة من المواطنين، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاحتقان الاجتماعي إذا لم يتم التعاطي معها بالجدية والسرعة المطلوبتين.
وحسب معطيات متوفرة للجريدة 24، فإن ملف التسوية العقارية المرتبط بمشروع إعادة إيواء قاطني دور الصفيح بالحي الحسني يبرز كأحد أكثر الملفات تعقيدًا، بعدما أثيرت تساؤلات واسعة حول أسباب التعثر الذي يطبع مسطرة نقل ملكية وعاء عقاري مخصص لهذا المشروع الاجتماعي، ويتعلق الأمر بعقار ذي رسم عقاري موجه لإنجاز مشروع “تجزئة حي الوفاق 4”، ظل، وفق مصادر مطلعة، موضوع تأخير لسنوات دون مبررات واضحة، رغم ارتباطه المباشر ببرنامج محاربة السكن غير اللائق.
وفي هذا الإطار، وجه عضو بمجلس جماعة الدار البيضاء مراسلة رسمية إلى والي الجهة، نبه من خلالها إلى ما اعتبره تعطيلًا غير مبرر لإجراءات نقل الملكية لفائدة الجماعة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع فتح الباب أمام ممارسات قد تمس بالسيادة العقارية للجماعة وبحقوق المستفيدين المفترضين من المشروع، كما يطرح علامات استفهام حول احترام المساطر القانونية المؤطرة لتدبير الأملاك العقارية المخصصة لأغراض اجتماعية.
وأوضحت المعطيات ذاتها أن بعض المستفيدين السابقين من بقع أرضية مجهزة، والذين أبرموا عقودًا رسمية مع الجماعة، أقدموا على تفويت أنصبتهم إلى شركة عقارية خاصة، رغم الالتزامات القانونية السابقة، وهو ما اعتبرته المصادر نفسها تطورًا مقلقًا قد يفرغ المشروع من أهدافه الاجتماعية، ويحول وعاءً عقاريًا مخصصًا لإعادة الإيواء إلى موضوع مضاربات عقارية محتملة.
وأشارت المصادر إلى أن جماعة الدار البيضاء سبق لها أن راسلت المحافظة العقارية بالحي الحسني من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك التشطيب على أسماء المتعاقدين معها ونقل الأنصبة لفائدة الجماعة، غير أن هذه المراسلات ظلت دون أثر عملي، ما عمّق حالة القلق لدى الساكنة المعنية، خاصة في ظل المخاوف من ضياع العقار أو استغلاله خارج الإطار الذي خُصص له، علمًا أن مساحته تناهز خمسة هكتارات.
وفي سياق متصل، برزت شكايات أخرى تتعلق بما تصفه فعاليات منتخبة بالشطط في استعمال السلطة والتماطل الإداري داخل بعض مصالح جماعة الدار البيضاء، وبالخصوص مصلحة الممتلكات، حيث سجل تراجع في وتيرة وجودة الخدمات الإدارية المرتبطة بتسليم الشواهد الإدارية الضرورية لاستكمال مساطر تحفيظ المنازل، خاصة بمنطقة سيدي الخدير التابعة لمقاطعة الحي الحسني.
وأفادت مصادر محلية للجريدة 24، أن عددا من الأسر تقدمت منذ أكثر من سنة ونصف بطلبات رسمية للحصول على شواهد إدارية، غير أن هذه الطلبات ظلت حبيسة الرفوف، رغم تكرار المراجعات اليومية وشبه اليومية للمصالح المعنية، دون تقديم تبريرات واضحة، ما فاقم معاناة المتضررين وعمق إحساسهم بالإقصاء والتمييز الإداري.
وقد طُرحت هذه الإشكالات خلال دورات رسمية للمجلس الجماعي، غير أن النقاشات التي عرفتها تلك الدورات، بحسب المصادر نفسها، لم تُترجم إلى قرارات عملية كفيلة بوضع حد لمعاناة المواطنين، في وضع اعتبرته فعاليات مدنية وممثلو الساكنة متناقضًا مع التوجيهات الملكية الداعية إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتبسيط المساطر الإدارية.
ولم تتوقف الشكايات عند هذا الحد، إذ طفت إلى السطح ملفات اجتماعية أخرى لا تقل حساسية، همّت وضعية التجار والحرفيين الذين تضرروا من هدم عدد من الأسواق النموذجية بتراب عمالة مقاطعات الحي الحسني، حيث وجد العشرات منهم أنفسهم دون فضاءات بديلة لمزاولة أنشطتهم، بعدما فُوجئوا بقرارات الهدم دون توفير حلول انتقالية أو بدائل تحفظ لهم مصدر عيشهم.
وأوضحت المعطيات أن عددا من التجار كانوا يزاولون أنشطتهم بهذه الأسواق منذ سنوات طويلة، ويعتمدون عليها كمورد رزق وحيد لإعالة أسرهم، قبل أن يفقدوا محلاتهم بشكل مفاجئ، ما أدى إلى تشريدهم مهنيًا وحرمانهم من دخلهم اليومي، في ظل غياب تعويضات مرحلية أو برامج مواكبة اجتماعية.
وسجلت المصادر ذاتها أن بعض هذه الأسواق جرى تعويضها بإحداث ملاعب للقرب فوق نفس الأوعية العقارية، في إطار مشاريع رياضية وتنموية، غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، أثار انتقادات واسعة بسبب تجاهله للآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن فقدان التجار لمصدر عيشهم، واعتبره معنيون مساسًا بمبدأ الحق في الشغل والتوازن بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتُعد مقاطعة الحي الحسني من أكثر المناطق تضررًا من هذه القرارات، حيث ظل عدد كبير من التجار دون بدائل لما يقارب ثلاثة أشهر، عقب هدم أسواق معروفة بالمنطقة، من بينها أسواق “دالاس” و“صورصا 1 و2”، ما انعكس سلبًا على أوضاعهم الاجتماعية، في ظل استمرار الغموض بشأن مصيرهم المهني.
وقد انعكست هذه الملفات المتشابكة على أشغال المجالس المنتخبة، التي شهدت نقاشات محتدمة وانتقادات حادة لطريقة تدبير هذه القضايا، وسط تحذيرات من تفاقم الاحتقان الاجتماعي بمنطقة تواجه تحديات مركبة تتعلق بالبطالة والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات.
وتضع هذه التطورات والي جهة الدار البيضاء–سطات أمام مسؤولية مباشرة للتدخل العاجل من أجل فتح تحقيقات دقيقة، وتفعيل آليات الحكامة الجيدة، وضمان احترام القانون وصيانة حقوق المواطنين، بما يحقق التوازن الضروري بين متطلبات التنمية الحضرية والاعتبارات الاجتماعية، في ملفات باتت تشكل اختبارًا حقيقيًا لنجاعة التدبير العمومي محليًا.