خروقات الأجور تحاصر وزير الشغل ومطالب بتفعيل المراقبة والعقوبات
دخل ملف ضعف مراقبة تطبيق الحد الأدنى للأجور في المغرب مرحلة جديدة من النقاش العمومي، بعدما انتقل من دائرة الشكاوى الاجتماعية والتقارير الحقوقية إلى قبة البرلمان، في ظل تزايد المعطيات التي تفيد باستمرار تشغيل آلاف العمال بأجور تقل عن الحد الأدنى القانوني، رغم وضوح الإطار التشريعي المنظم لعلاقات الشغل.
وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي سؤالًا شفهيًا إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، حول الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها من أجل تعزيز مراقبة احترام الحد الأدنى للأجور، والرفع من نجاعة جهاز تفتيش الشغل، وتفعيل العقوبات القانونية في حق المشغلين المخالفين.
وأبرز النائب البرلماني أن استمرار تشغيل العمال بأجور تقل عن “السميك” يكرس الهشاشة الاجتماعية، ويمس في العمق بمبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، خاصة في ظل محدودية المراقبة الميدانية وضعف الموارد البشرية المخصصة للتفتيش.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في وقت تشير فيه تقارير متعددة إلى أن احترام الحد الأدنى للأجور لا يزال، في عدد من القطاعات، خاضعًا لاجتهادات بعض المشغلين، بدل أن يكون التزامًا قانونيًا صارمًا، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات المراقبة والزجر المنصوص عليها في مدونة الشغل، وقدرة الدولة على فرض احترام التشريعات الاجتماعية.
وتزامن تصاعد هذا الجدل مع إثارة الموضوع داخل البرلمان من زاوية قطاعية، حيث طرحت تساؤلات بشأن مدى التزام وحدات النسيج بالقوانين المؤطرة لعلاقات الشغل، خاصة ما يتعلق بحماية النساء العاملات في قطاع يُعد من أكبر المشغلين لليد العاملة النسوية.
وفي هذا الإطار، شدد نواب برلمانيون على ضرورة إخضاع هذا القطاع لمراقبة منتظمة وصارمة، تشمل احترام الحد الأدنى للأجور، والتقيد بساعات العمل القانونية، وضمان التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ومن خلال مساءلة كتابية، نبهت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، قلوب فيطح، إلى الإشكالات المرتبطة بمدى احترام وحدات النسيج لمقتضيات مدونة الشغل، خصوصًا تلك المتعلقة بحماية النساء العاملات، معتبرة أن طبيعة هذا القطاع وحجمه تفرضان رقابة دورية صارمة، ليس فقط على مستوى الأجور، بل أيضًا فيما يخص ظروف العمل، وساعات الاشتغال، والتغطية الاجتماعية.
وأبرزت النائبة البرلمانية أن التصريح بالعاملات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للحماية الاجتماعية، وأن أي إخلال بهذا الالتزام القانوني يعرّض العاملات لوضعية هشاشة مضاعفة، ويقوض الجهود الوطنية الرامية إلى تعميم الحماية الاجتماعية وصون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وفي موازاة التحركات البرلمانية، أُثيرت تساؤلات متزايدة حول نجاعة جهاز تفتيش الشغل وقدرته على رصد التجاوزات داخل بعض الوحدات الإنتاجية، خاصة في ظل تكرار شكاوى تتعلق بالاستغلال، والطرد التعسفي، وغياب شروط السلامة والكرامة داخل فضاءات العمل.
واعتُبر أن استمرار هذه الممارسات يشكل مساسًا صريحًا بمقتضيات مدونة الشغل، ويتناقض مع الالتزامات الوطنية في مجال تعزيز العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما حقوق النساء العاملات.
وفي هذا الإطار، عبّرت هيئات مدنية وحقوقية عن قلقها إزاء الأوضاع الاجتماعية داخل بعض الوحدات الصناعية، معتبرة أن ضعف الأجور، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، يضع شريحة واسعة من العاملات في وضعية هشاشة اقتصادية واجتماعية، ويحد من قدرتهن على تلبية الحاجيات الأساسية.
وأكدت هذه الهيئات أن استمرار مثل هذه الأوضاع يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية، ويستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات المختصة للوقوف على حقيقة الوضع وترتيب الجزاءات اللازمة في حال ثبوت أي تجاوزات.
من جهته، عبّر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه إزاء ما تم تداوله بخصوص أوضاع عاملات الخياطة بمدينة طنجة، معتبرًا أن المعطيات المتداولة تعكس اختلالات خطيرة في علاقة الشغل داخل بعض الشركات، سواء من حيث مستوى الأجور لا تتجاوز 1000 درهم، أو ظروف العمل، أو الحماية الاجتماعية.
وأكد المرصد في تقريره أن الأجور الضعيفة لا تسمح بتغطية الحاجيات الأساسية، في سياق اقتصادي يعرف ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، ما يجعل العاملات في وضعية هشاشة متفاقمة.
وأشار المرصد إلى أن ما أثير بشأن إنهاء علاقات الشغل في ظروف قاسية يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية، ويستوجب تدخلاً فوريًا من الجهات المختصة للتحقيق في مدى احترام المساطر القانونية الجاري بها العمل، وضمان حقوق الأجيرات.
كما شدد على أن التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليس خيارًا يمنحه المشغل متى شاء، بل التزام قانوني صريح، وأن أي تهرب منه يُعد خرقًا يستوجب المساءلة والمتابعة.
ودعا المرصد إلى فتح تحقيق عاجل من طرف مفتشية الشغل من أجل فحص أوضاع الاشتغال داخل الوحدات المعنية، والتأكد من مدى احترام التشريعات الاجتماعية، وترتيب الجزاءات القانونية في حال ثبوت أي مخالفات، إلى جانب مطالبة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتحقق من وضعية التصريح بالعاملات وضمان تمتيعهن بكافة الحقوق المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، شددت فعاليات حقوقية ومهنية على ضرورة التصدي لما وصفته بمظاهر الاستغلال الاقتصادي و”الحكرة” التي لا تزال تطفو على سطح قطاع النسيج، رغم كونه رافعة أساسية للتشغيل والصادرات الوطنية.
واعتبرت أن استمرار هذه الاختلالات يسيء إلى صورة المملكة، ويتعارض مع التوجهات الرسمية الرامية إلى إرساء نموذج تنموي جديد يقوم على الإنصاف، والعدالة الاجتماعية، وصون كرامة المواطن، مؤكدة أن احترام الحد الأدنى للأجور يشكل مدخلًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة في سوق الشغل.