هل تقود رقمنة السجل العدلي إلى إنصاف المفرج عنهم في سوق الشغل؟
في جواب رسمي يحمل دلالات قانونية واجتماعية عميقة، قدّم وزير العدل عبد اللطيف وهبي توضيحات مفصلة حول موضوع مراجعة شرط الإدلاء بالسجل العدلي لفائدة المواطنات والمواطنين الذين سبق لهم قضاء عقوبة سجنية، وذلك في إطار الجواب عن السؤال الكتابي رقم 25488 الذي تقدم به النائب البرلماني عبد الحق شفيق، عن دائرة عين الشق بالدار البيضاء، بخصوص ولوج هذه الفئة إلى سوق الشغل وما يرافقه من إكراهات مرتبطة بالسجل العدلي.
الوزير أكد في مستهل جوابه أن وزارة العدل تولي أهمية كبرى لموضوع السجل العدلي، باعتباره وثيقة رسمية ومستندا قانونيا أساسيا لحفظ آثار الأحكام الجنائية وأداة لضبط السوابق القضائية، كما يشكل وسيلة لإثبات حسن السيرة والسلوك بالنسبة للأشخاص، ويُعتمد عليه في عدد من المعاملات القانونية والإدارية.
وانطلاقا من هذه الأهمية، شدد على أن الوزارة واعية بالإشكالات المرتبطة بالحصول على السجل العدلي، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين أنهوا تنفيذ العقوبات السالبة للحرية ويسعون إلى إعادة الاندماج داخل المجتمع والولوج إلى سوق الشغل.
وفي هذا السياق، أوضح وزير العدل أن الوزارة اعتمدت مجموعة من التدابير الرامية إلى ضمان حق السجناء المفرج عنهم في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال إدخال تعديلات جوهرية على قانون المسطرة الجنائية، لاسيما ما يتعلق بمسطرة رد الاعتبار بنوعيه القانوني والقضائي.
وقد همّت هذه التعديلات تقليص آجال رد الاعتبار بما يساهم في تمكين المعنيين من تجاوز الإشكالات المطروحة، وإسناد الاختصاص للبت في طلبات رد الاعتبار القضائي لقاضي تطبيق العقوبات، فضلا عن الإعفاء من الأجل بالنسبة للسجناء الذين ساهموا بجدية في برامج التأهيل والإدماج.
وبيّن الجواب أن رد الاعتبار لم يعد إجراء معقدا كما كان في السابق، إذ أصبح رد الاعتبار القانوني يتم بشكل تلقائي بعد استيفاء الشروط القانونية، دون الحاجة إلى تقديم طلب، وذلك بعد استطلاع رأي النيابة العامة.
كما أشار إلى أن قانون المسطرة الجنائية الجديد أسند مهمة رد الاعتبار القانوني تلقائيا إلى كتابة الضبط، بعدما كان الأمر يتطلب مسطرة أطول وأكثر تعقيدا.
وبالموازاة مع ذلك، أبرز الوزير أن القانون المتعلق بالعقوبات البديلة تضمن مستجدات هامة تروم تخفيض مدد رد الاعتبار بالنسبة للمحكوم عليهم بالعقوبات البديلة، بما ينسجم مع فلسفة هذا القانون وغايته التشريعية الرامية إلى إعادة إدماج المحكوم عليه داخل المجتمع والحد من الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية.
وفي جانب آخر من الجواب، كشف وزير العدل أن الوزارة تعمل حاليا على وضع برنامج لمركزة السجل العدلي ومعالجته بطريقة معلوماتية، من شأنها أن تساهم في تحقيق رد الاعتبار القانوني تلقائيا، والتخفيف من طول وتعقيد مسطرة رد الاعتبار.
وأوضح أن السجل العدلي يشمل مركزا وطنيا تابعا لوزارة العدل ومراكز محلية بالمحاكم الابتدائية، حيث يختص المركز الوطني بمسك السجل العدلي الخاص بالأشخاص المزدادين خارج المملكة من غير مغاربة الجنسية، وبمسك السجل العدلي للأشخاص المعنوية، إضافة إلى مراقبة المراكز المحلية المكلفة بمسك السجلات العدلية الخاصة بجميع الأشخاص مهما كانت جنسياتهم داخل دائرة المحكمة الابتدائية.
وأكد الوزير أن وزارة العدل اعتمدت خدمة التبادل الإلكتروني لطلب مستخرج السجل العدلي، إلى جانب اعتماد تقنية التوقيع الإلكتروني على هذه الوثيقة، كما حرصت على تعميم خدمة طلب السجل العدلي عبر الخط على كافة المحاكم الابتدائية دون استثناء.
ولإنجاح هذا الورش، أكد وهبي أنه تم اقتناء عدد مهم من شواهد المطابقة الإلكترونية المؤمنة لفائدة أطر كتابة الضبط وممثلي النيابة العامة المكلفين بالسجل العدلي، مع إحداث آلية تقنية للتتبع اليومي لمعالجة الطلبات المتوصل بها عبر الخط والتدخل لدى الجهات المختصة عند تسجيل أي تأخير في الإنجاز.
وأشار الجواب إلى أن هذه الجهود أسفرت خلال السنوات الأخيرة عن الرفع من عدد طلبات السجلات العدلية المعالجة بشكل رقمي، وهو ما ساهم في تقليص عدد الوافدين على المحاكم بشكل ملحوظ، ويعكس نجاعة وفعالية سياسة وزارة العدل الرامية إلى تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها.
كما أوضح وزير العدل أن الوزارة تعمل على إحداث قاعدة بيانات مركزية لنظام السجل العدلي المركزي، تُجمع فيها بطائق السجل العدلي للأشخاص الذاتيين المغاربة والأجانب والأشخاص الاعتباريين، مع تحديد كيفيات تنظيم هذه القاعدة بنص تنظيمي.
وأضاف أن مشروع إحداث سجل عدلي وطني معلوماتي سيمكن من توفير إحصائيات جنائية دقيقة، تشمل إحصاءات العود إلى الجريمة، سواء تعلق الأمر بالمحكوم عليهم في حالة اعتقال أو في حالة سراح، أو حسب جنس الشخص أو سنه أو طبيعته القانونية، أو حسب نوع الجريمة أو العقوبة المرتكبة.
وختم وزير العدل جوابه بالتأكيد على أن هذه الإصلاحات التشريعية والتنظيمية والتقنية تندرج ضمن رؤية شمولية تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات حفظ النظام العام وضمان الأمن القانوني، وبين تمكين الأشخاص الذين استوفوا عقوباتهم من فرصة حقيقية للاندماج داخل المجتمع والولوج إلى سوق الشغل دون عراقيل غير مبررة، بما يعزز قيم العدالة والإنصاف ويساهم في الحد من العود إلى الجريمة.