مشروع المحج الملكي يدخل مرحلة السرعة القصوى.. ومهلة 15 يوما تربك البيضاويين

الكاتب : انس شريد

28 ديسمبر 2025 - 09:30
الخط :

يشهد مشروع المحج الملكي بالدار البيضاء خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة غير مسبوقة في الإنجاز، بعد سنوات طويلة من التعثر والانتظار، حيث دخل هذا الورش الحضري الكبير مرحلة السرعة القصوى، في سياق استعدادات وطنية كبرى تفرض تسريع عدد من المشاريع البنيوية المرتبطة بصورة العاصمة الاقتصادية ووظيفتها المستقبلية.

غير أن هذا التسارع، الذي تراهن عليه السلطات لإعادة تشكيل النسيج العمراني للمدينة القديمة، أفرز في المقابل ارتباكاً اجتماعياً واسعاً، خاصة بعد توجيه إشعارات بالإفراغ في آجال قصيرة لعدد من السكان والتجار، ما أعاد إلى الواجهة الإشكال المزمن المتعلق بالتوازن بين متطلبات التحديث وحقوق الساكنة.

ويُعد مشروع المحج الملكي من أقدم الأوراش الحضرية التي عرفتها الدار البيضاء، إذ انطلقت ملامحه الأولى منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بهدف فتح محور طرقي استراتيجي يربط بين الميناء والمدينة القديمة وقلب العاصمة الاقتصادية، مع ما يستتبع ذلك من إعادة هيكلة شاملة للمجال، وتأهيل عمراني ومعماري ينسجم مع رمزية المنطقة وتاريخها.

غير أن المشروع ظل لسنوات طويلة حبيس الرفوف، بفعل تعقيدات مرتبطة بإعادة الإيواء، وصعوبة تدبير عمليات نزع الملكية، إضافة إلى إكراهات التمويل وقلة الوعاء العقاري، ما جعله يتحول إلى نموذج لمشاريع كبرى لم تر النور إلا جزئياً.

وخلال الفترة الأخيرة، عاد المشروع بقوة إلى دائرة التنفيذ، بعد مصادقة مجلس جماعة الدار البيضاء على اتفاقية إطار تروم تسريع إنجازه، في خطوة اعتُبرت حاسمة لإنهاء حالة الجمود التي رافقته لما يقارب أربعة عقود.

وقد حظيت هذه الاتفاقية بإجماع شبه كامل داخل المجلس، ما يعكس، وفق متتبعين، إرادة سياسية ومؤسساتية واضحة لطي هذا الملف، خاصة في ظل التحضيرات الجارية لاستحقاقات دولية كبرى، من بينها تنظيم كأس العالم 2030، الذي تضعه الدولة في صلب رهاناتها التنموية والرمزية.

غير أن الانتقال السريع من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الميداني خلق وضعاً اجتماعياً متوتراً داخل أحياء المدينة القديمة، خصوصاً بمقاطعة سيدي بليوط، حيث باشرت السلطات المحلية، خلال الأيام الماضية، إشعار عدد من سكان درب بوطويل ودرب الإنجليز بضرورة إخلاء منازلهم ومحلاتهم التجارية داخل أجل لا يتجاوز 15 يوماً.

وقد تم تقديم هذه الخطوة، حسب مصادر الجريدة 24 في إطار برنامج لإعادة هيكلة وتأهيل المنطقة، يهدف إلى تحسين شروط السلامة والعيش، ومعالجة وضعية بنايات قديمة توصف بالهشة، مع الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للمجال.

وبينما تؤكد مصادر مطلعة أن هذه الإجراءات تندرج ضمن رؤية شاملة لإعادة تنظيم النسيج العمراني للمدينة القديمة، فإن قصر المهلة الزمنية الممنوحة للإفراغ، وغياب معطيات دقيقة حول بدائل السكن أو طبيعة التعويضات، أدخلا الأسر المعنية والتجار في حالة من القلق والارتباك.

فعدد من القاطنين بهذه الأحياء يعيشون فيها منذ عقود، وتربطهم بالمكان علاقات اجتماعية واقتصادية متجذرة، ما جعل قرار الإفراغ يبدو، بالنسبة لهم، مفاجئاً وقاسياً في آن واحد.

وتفيد معطيات الجريدة 24 بأن السلطات كانت قد شرعت في تبليغ ساكنة درب الإنجليز بقرارات مماثلة في وقت سابق، قبل أن يمتد الإجراء إلى درب بوطويل، حيث توصلت الأسر بإشعارات تحدد مهلة 15 يوماً كحد أقصى لإخلاء المنازل، تمهيداً لانطلاق أشغال الهدم.

هذا المستجد فاقم منسوب التخوف داخل الأوساط المحلية، خاصة في ظل تجارب سابقة عاشتها أحياء أخرى بالمدينة القديمة، ولم تُحل تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية بشكل نهائي.

ولم يقتصر القلق على الساكنة فقط، بل امتد أيضاً إلى فئة التجار، الذين وجدوا أنفسهم مهددين بفقدان محلاتهم، التي تشكل في كثير من الحالات مصدر الدخل الوحيد لهم ولأسرهم.

ويستحضر تجار منطقة “البحيرة” مثالاً حياً على ذلك، بعدما تم هدم محلاتهم قبل أسابيع في إطار نفس المشروع، حيث لا يزال عدد منهم يعاني من صعوبة إيجاد بدائل تجارية قريبة، ومن آثار التوقف المفاجئ عن النشاط، في غياب حلول عملية تراعي خصوصية النسيج التجاري التقليدي للمدينة القديمة.

وفي هذا السياق، ترى فعاليات مدنية محلية أن ما يجري اليوم يعكس استمرار الإشكالات نفسها التي رافقت مراحل سابقة من المشروع، خاصة ما يتعلق بضعف التواصل وإشراك الساكنة في اتخاذ القرار، وغياب مقاربة اجتماعية استباقية تهيئ المتضررين لمثل هذه التحولات الكبرى.

وتعتبر هذه الفعاليات أن تسريع الأوراش، مهما كانت أهميتها الاستراتيجية، لا ينبغي أن يتم على حساب الاستقرار الاجتماعي، أو دون توفير ضمانات واضحة تحمي حقوق الفئات الهشة.

في المقابل، تؤكد جهات منتخبة ومسؤولة أن مشروع المحج الملكي يشكل رافعة أساسية لتأهيل المدينة القديمة، وإعادة الاعتبار لقيمتها التاريخية والحضارية، مشددة على أن جميع الإجراءات المتخذة تتم في إطار احترام المساطر القانونية المعمول بها، مع السعي إلى مواكبة المتضررين وفق الإمكانيات المتاحة.

آخر الأخبار