تراكم النصوص التنظيمية المتقادمة يحرج الحكومة والبرلمان يطالب بالتوضيح
في خضم التحولات الدستورية والمؤسساتية العميقة التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، عاد إلى الواجهة ملف طالما أثار نقاشا واسعا داخل الأوساط القانونية والإدارية، ويتعلق بتراكم النصوص التنظيمية المتقادمة التي ما تزال سارية المفعول رغم تجاوزها للسياقات التي وُضعت فيها.
هذا الملف، الذي يطرح إشكالات متعددة تمس فعالية التشريع وجودة الحكامة، بات اليوم من بين القضايا التي تواجه الحكومة الحالية مع اقترابها من دخول آخر ولاية لها، في ظل تصاعد الدعوات إلى تسريع وتيرة الإصلاح القانوني وضمان الانسجام بين النصوص التشريعية والتنظيمية.
وتشير معطيات متطابقة إلى أن عددا كبيرا من المراسيم والقرارات التنظيمية يعود إلى فترات سابقة، بعضها إلى ما قبل دستور 2011، ولا يعكس التحولات التي عرفتها المملكة على المستويات الدستورية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية.
ورغم صدور قوانين جديدة وهيكلية في عدة مجالات، ما تزال هذه النصوص القديمة تُستعمل في التطبيق العملي، الأمر الذي يخلق، بحسب مهتمين، نوعا من الازدواجية القانونية والتضارب في التأويل، ويعقّد عمل الإدارات العمومية، كما يضعف وضوح الرؤية لدى المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.
وفي هذا السياق، دخل البرلمان على خط النقاش، بعدما بادر النائب البرلماني عن فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مولاي المهدي الفاطمي، إلى توجيه سؤال شفهي إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، أثار فيه إشكالية استمرار العمل بنصوص تنظيمية لم تعد مواكبة للتطورات التشريعية الراهنة.
واعتبر النائب البرلماني أن هذا الوضع ينعكس سلبا على مبدأ الأمن القانوني، الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية لدولة القانون والمؤسسات، وضمانة مركزية لحماية حقوق المواطنين وتعزيز الثقة في المنظومة القانونية.
وأوضح السؤال البرلماني أن تراكم هذه النصوص المتقادمة يؤدي إلى ضبابية قانونية حقيقية، إذ يجد المواطن والفاعل الاقتصادي والإداري أنفسهم أمام منظومة قانونية غير منسجمة، تتداخل فيها نصوص قديمة مع قوانين حديثة، دون وضوح في أولوية التطبيق أو في حدود الإلغاء الضمني أو الصريح.
كما أشار إلى أن هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على جودة العمل الإداري، ويحد من فعالية الإصلاحات التي تسعى الدولة إلى تنزيلها، خاصة في مجالات الاستثمار، وتبسيط المساطر، وتحديث الإدارة.
وطالب النائب البرلماني وزير العدل بتوضيح الحجم الحقيقي للنصوص التنظيمية المتقادمة التي ما تزال سارية إلى اليوم، رغم تغير السياقات القانونية والدستورية التي أُنتجت فيها، متسائلا عما إذا كانت الحكومة تتوفر على جرد شامل ودقيق لهذه النصوص.
كما استفسر عن وجود برنامج وطني واضح ومهيكل يروم مراجعة هذه الترسانة التنظيمية، سواء عبر تحيينها وتعديلها بما ينسجم مع القوانين الجديدة، أو حذف النصوص التي لم يعد لها أي مبرر قانوني أو وظيفي.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في وقت تتعالى فيه أصوات داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية مطالبة بإطلاق ورش وطني واسع لمراجعة النصوص التنظيمية، باعتباره مكملا ضروريا للإصلاح التشريعي. فالقوانين، مهما بلغت درجة حداثتها وتقدمها، تظل رهينة بمدى انسجامها مع النصوص التنظيمية المؤطرة لتنفيذها، وهو ما يجعل من تحيين هذه الأخيرة شرطا أساسيا لضمان نجاعة السياسات العمومية وتحقيق الأهداف المتوخاة منها.
وترى المعارضة البرلمانية أن الحكومة الحالية مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإظهار إرادة سياسية قوية لمعالجة هذا الملف، خاصة وأنه يرتبط بشكل مباشر بمناخ الأعمال، وجاذبية الاستثمار، وتكريس الحكامة الجيدة.
كما يعتبرون أن معالجة تراكم النصوص المتقادمة لا تقتصر على الجانب التقني أو الإداري، بل تتطلب رؤية شمولية تنطلق من تقييم أثر هذه النصوص على الواقع العملي، وتراعي التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، والالتزامات الدولية للمملكة، والمبادئ الدستورية المؤطرة للعمل التشريعي والتنظيمي.
وبينما تترقب الفعاليات السياسية والقانونية جواب وزير العدل حول هذه التساؤلات، يبقى ملف النصوص التنظيمية المتقادمة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحكومة على استكمال أوراش الإصلاح القانوني، وضمان انسجام المنظومة التشريعية، وتعزيز الأمن القانوني باعتباره ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار المؤسسي.