بين المهنية والشعبوية.. هكذا درست "Hola" الإسبانية أدبيات المهنة لـ"Les Échos" الفرنسية
سمير الحيفوفي
بون شاسع بين المهنية والشعبوية.. إذ في تغطية صحفية لحدث واحد يتبدى الفرق، ويظهر الصحفي المهني كما يسقط القناع عن الطاريء الذي يكشف عن مستواه الحقيقي، ولنا في تغطية المجلة الإسبانية "Hola" وصحيفة "Les Échos" الفرنسية، لحدث حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن، افتتاح كأس أمم إفريقيا في الرباط مثال على كل هذا.
وكما أن هذا الحدث يعد لحظة رمزية كثيفة الدلالات، فإن الفرق بدا واضحا بين "Hola" و"Les Échos"، فكما أن الأولى قدمت نموذجا في معالجة الحدث قائم على الملاحظة الهادئة، والتحليل المهني، واحترام الذكاء السياسي والثقافي للقارئ، فإن الثانية لم تستطع التخلص من شعبويتها وبغضائها تجاه المغرب وهي تقترف مسخا صحفيا أسمته "بورتري".
واختارت المجلة الإسبانية "Hola" أن تغطي الحدث، الذي رصدت فيه حركات وسكنات ولي العهد الأمير مولاي الحسن، لتضع القاريء على مرمى بصر من رباطة جأش وثقة نادرة وقيادة وحب جارف متبادل بين ولي العهد وشعبه، وكل ذلك من خلال قراءة حصيفة استعانت فيها بتحليل خبير في التواصل غير اللفظي، لتخرج مقالا مستندا إلى العلم لا الإيحاء والغمز.
وتكفي الإشارة إلى أن "José Luis Martín Ovejero"، خبير التواصل غير اللفظي، لخص المشهد بالقول إن "الأمير مولاي الحسن ولد ليقود بدون أدنى شك"، وإن كانت هذه الشهادة أبعد من أن تكون مدحا بقدر ما هي خلاصة مقاربة علمية، اعتمدها الخبير الذي استشف الطمأنينة الداخلية لمولاي الحسن وقدرته على التفاعل الطبيعي مع الجمهور دون ارتباك أو استعراض.
لكن انبرت صحيفة "Les Échos"، إلى اقتراف ما هو أبعد من أن يكون صحافة وقد ابتدعت بكل استخفاف "بورتري" أشارت من خلاله إلى أن رفع ولي العهد مولاي الحسن لذراعيه في تحية منه لشعبه، إنما هو بحث عن "شعبية"، في دس مقيت منها للسم في الدسم عبر قراءة سطحية، انتفت فيها المعايير المهنية لتغدو عجين تلميحات شعبوية وغير مسؤولة.
وبين تناول المجلة الإسبانية "Hola" وصحيفة "Les Échos" الفرنسية، لا يتوضع اختلاف في الرأي وإنما اختلاف في المنهج، وفي المدرسة الصحفية، وهو فرق يظهر جليا بين منطق التحليل والاستناد إلى خبرة مختصة وبين "شعبوية" إعلامية، اختارت التحليل بسخرية، للتنفيس عن ضغائن مبيتة وتصفية حساب عالق مع دولة لا تشبه القوالب الجاهزة، التي يرتضيها القائمون على "Les Échos".
ويبدو أن "Les Échos" لا تدرك ماهية العلاقة التي تربط الشعب المغربي مع العرش العلوي المجيد، فولي العهد مولاي الحسن، لا يتحرك بمنطق الحملات ولا بمنطق البحث عن الشرعية التاريخية أو الدستورية، كما عنت في رأس مقترفة الـ"بورتري"، التي أغفلت أن حضور ولي العهد في مثل هذه التظاهرات ليس استعراضا ظرفيا كما تصورت وأحبت أن تصور.
إن الدرس البليغ من المقارنة بين المجلة الإسبانية "Hola" وصحيفة "Les Échos" الفرنسية، يتمثل في كون المهنية لا تحتكم إلى اللغة أو الجغرافيا، لكنها نتاج منهج علمي وأخلاقي قبل كل شيء، إذ تقوم على قراءة حكيمة للوقائع بعين لاقطة لا بعين متعالية وتنقل بهدوء لا بضجيج يفتقر إلى الكياسة والاحترام.
--