بالرغم من المقتضيات الدستورية والقانونية الصارمة التي تجرم التعذيب وكل أشكال العنف وسوء المعاملة، لا تزال ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان، خصوصا داخل فضاءات إنفاذ القانون، تطرح نفسها كأحد أكثر الملفات حساسية في علاقة المواطن بمؤسسات العدالة.
هذه الادعاءات، حتى وإن كانت محدودة عدديا، تظل مؤشرا مقلقا يمس الثقة في الدولة ويستدعي معالجة صارمة وأكثر شفافة.
تقرير رئاسة النيابة العامة برسم أنشطتها لسنة 2024، الصادر مؤخرا، تقدم معطيات رقمية دالة حول كيفية تعامل النيابات العامة مع الشكايات المرتبطة بادعاءات التعذيب والعنف وسوء المعاملة.
ويفيد التقرير بأن النيابات العامة سجلت خلال السنة الماضية سبع شكايات تتعلق بادعاء التعذيب. وبعد دراسة هذه الشكايات وإجراء الأبحاث القضائية، تقرر حفظ ست منها بدعوى غياب العناصر التكوينية للجريمة، في حين لا تزال شكاية واحدة في طور البحث.
ورغم محدودية عدد شكايات التعذيب المسجلة رسميا، يطرح هذا المعطى أسئلة حول قدرة الضحايا المحتملين على التبليغ، ومدى توفر شروط الثقة والحماية التي تشجع على تقديم الشكايات، خاصة في قضايا توصف عالميا بكونها صعبة الإثبات، وترتبط غالبا باختلال ميزان القوة بين الأطراف.
أما بخصوص ادعاءات العنف وسوء المعاملة، فقد سجل التقرير 150 شكاية خلال سنة 2024. وأسفرت معالجة هذه الشكايات عن متابعة خمس قضايا فقط، تمت فيها متابعة ستة موظفين عموميين، صدرت في ثلاث منها أحكام قضائية بالإدانة، تراوحت عقوباتها بين الحبس الموقوف التنفيذ والحبس النافذ. في المقابل، تم حفظ 94 شكاية، أساسا بسبب انعدام وسائل الإثبات، بينما لا تزال 51 شكاية قيد البحث في انتظار استكمال إجراءات الاستماع وتعميق التحقيق.
وأكد التقرير أن النيابات العامة تلجأ إلى فتح الأبحاث القضائية وإجراء الفحوص الطبية وفق ما ينص عليه القانون، غير أن غياب معطيات تفصيلية حول آجال البحث، أو أسباب تعثر عدد من الملفات، يترك هامشا للتساؤل حول نجاعة المساطر المتبعة وقدرتها على إنصاف الضحايا المحتملين.
ونبه التقرير إلى أن معالجة ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان لا تزال تواجه تحديات بنيوية، تتجاوز الجانب الإجرائي إلى إشكالات أعمق، مرتبطة بالوقاية، وضمان التبليغ الآمن، وتعزيز آليات المراقبة والمساءلة. وهي تحديات تفرض، وفق متتبعين، نقاشا عموميا هادئا حول سبل تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يحفظ كرامة الأفراد ويقوي الثقة في العدالة، دون أحكام مسبقة أو تبرير غير مبرر لأي انتهاك محتمل