اختلالات التعليم الأولي تطوق عنق وزير التعليم.. وبرادة يدافع بالأرقام

الكاتب : انس شريد

29 ديسمبر 2025 - 06:30
الخط :

فجر ملف التعليم الأولي نقاشا حادا تحت قبة البرلمان، بعدما أعاد نواب برلمانيون، خلال جلسة الأسئلة الشفوية ليوم الاثنين، تسليط الضوء على الفجوة القائمة بين الالتزامات الحكومية المعلنة والواقع الميداني، خاصة في العالم القروي والجبلي، حيث لا يزال هذا الورش الحيوي يواجه إكراهات بنيوية تعيق تحقيق أهدافه الكاملة في تعميم التعليم وضمان جودته.

وخلال الجلسة، وجد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، نفسه في مواجهة انتقادات مباشرة من عدد من الفرق البرلمانية، التي اعتبرت أن التعليم الأولي، رغم التقدم المسجل على مستوى الأرقام، لم يبلغ بعد المستوى المطلوب الذي يضمن العدالة المدرسية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية.

واعتبر المتدخلون أن هذه المرحلة تشكل الأساس الحقيقي لأي إصلاح تربوي ناجح، بالنظر إلى دورها الحاسم في بناء التعلمات الأولى وتقليص احتمالات الفشل والهدر المدرسي في المراحل اللاحقة.

وفي هذا الإطار، شددت النائبة البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، نادية التهامي، على أن التعليم الأولي يمثل مدخلا استراتيجيا لمحاربة الفوارق الاجتماعية، مؤكدة أن القانون الإطار المنظم للمنظومة التربوية وضع أهدافا واضحة لا تقبل التأويل، من خلال التنصيص على تعميم هذا التعليم لفائدة جميع الأطفال في الفئة العمرية ما بين أربع وست سنوات، وإدماجه التدريجي في التعليم الابتدائي، تمهيدا لتوسيعه لاحقا ليشمل الأطفال في سن ثلاث سنوات.

واعتبرت أن مرور سنوات على اعتماد هذه التوجهات دون تحقيق تعميم فعلي يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة السياسات المعتمدة.

وأشارت التهامي إلى أن استمرار الهدر المدرسي، الذي يُقدّر عدد المنقطعين فيه بحوالي مئتي ألف تلميذ سنويا، يعكس محدودية الأثر الإيجابي للبرامج الحالية، خاصة في صفوف الأطفال المنحدرين من الأسر الهشة وساكنة المناطق القروية والجبلية.

ولفتت إلى أن جزءا كبيرا من هذه الظاهرة يرتبط بضعف التأسيس التربوي في السنوات الأولى، ما يجعل عددا من المتعلمين غير قادرين على مواكبة متطلبات التعليم الابتدائي، ويدفعهم في نهاية المطاف إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة.

كما نبهت النائبة البرلمانية إلى الأوضاع المهنية والاجتماعية الصعبة التي يشتغل فيها عدد كبير من مربيات ومربي التعليم الأولي، معتبرة أن هشاشة هذه الفئة، وضعف التأطير والتكوين المستمر، يشكلان عائقا حقيقيا أمام الرفع من جودة التعلمات.

وأكدت أن الرهان على الشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، رغم أهميته، لا يمكن أن يعفي الدولة من مسؤوليتها المباشرة في ضمان شروط العمل اللائق والاستقرار المهني للأطر التربوية، بما ينسجم مع الأدوار الحيوية المنوطة بها.

وامتد النقاش ليشمل وضعية التعليم الابتدائي في المناطق القروية والجبالية، حيث اعتبر المتدخلون أن اختلالات البنية التحتية ونقص التجهيزات الأساسية لا تزال تحد من نجاعة السياسات التعليمية، وتفرغ عددا من المخططات من مضمونها على أرض الواقع.

وأبرزوا أن غياب المدارس القريبة، وصعوبة الولوج، وضعف الخدمات الاجتماعية المرافقة، كلها عوامل تساهم في تعميق الهشاشة التعليمية داخل هذه المجالات.

ومن جانبه، اعتبر إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، أن موضوع التعليم الأولي في الوسط القروي يطرح إشكالية حقيقية تتجاوز لغة الأرقام. وأشار إلى أن الحديث عن بناء مؤسسات تعليمية جديدة لا يكتسي جدواه الكاملة ما لم يقترن بتحديد مواقعها وضمان استجابتها لحاجيات الساكنة المحلية.

كما تساءل، بنبرة ساخرة، عن منطق إسناد التعليم الأولي بشكل شبه كامل للجمعيات، في وقت يفترض فيه أن تضطلع الدولة بدور محوري في هذا المجال، متسائلا عما إذا كان المنطق ذاته يمكن أن يُطبّق مستقبلا على التعليم الابتدائي في حال استمرار التعثر.

في المقابل، دافع وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن حصيلة وزارته، مؤكدا أن ورش تعميم التعليم الأولي يعرف تقدما ملموسا، خاصة في العالم القروي، حيث بلغت نسبة التغطية، بحسب معطياته، 81 في المئة.

وأوضح أن هذه النسبة تفوق المسجلة في الوسط الحضري، مبررا ذلك بتوفر العقار في المناطق القروية، إضافة إلى الدور المهم الذي تلعبه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تشييد وتجهيز أقسام التعليم الأولي.

وبلغة الأرقام، أبرز الوزير أن نسبة تعميم التعليم الأولي في العالم القروي لم تكن تتجاوز 35 في المئة سنة 2018، قبل أن ترتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن التزام الوزارة يتمثل في بلوغ تعميم كامل في أفق سنة 2028.

كما أشار إلى إدماج تلاميذ التعليم الأولي في منظومة “مسار”، ما يتيح تتبع المسار الدراسي للأطفال وتقييم أثر الاستفادة من هذه المرحلة على أدائهم في التعليم الابتدائي.

ولم يفوت المسؤول الحكومي الفرصة للتذكير بأن الحكومات السابقة، منذ سنة 2008 إلى حدود 2018، لم تنجح في تحقيق تعميم التعليم الأولي رغم صدور توجيهات ملكية في هذا الشأن، معتبرا أن المقاربة الجديدة المعتمدة على إشراك جمعيات المجتمع المدني مكّنت من تحقيق قفزة نوعية في نسب التغطية.

غير أنه شدد، في المقابل، على أن الوصول إلى التعميم لا يعني نهاية الورش، بل يفرض الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بتجويد التكوين وتحسين جودة التعلمات المقدمة للأطفال.

آخر الأخبار