الدار البيضاء ورهان الضريبة القصوى.. المجلس يصادق والمعارضة تحذر من تبعات القرار الجبائي
صادق مجلس جماعة الدار البيضاء، خلال دورة استثنائية انعقدت يوم الاثنين 29 دجنبر 2025، على الرفع من ضريبة الأراضي الحضرية غير المبنية إلى سقفها الأقصى المحدد قانونا في 30 درهما للمتر المربع، في قرار مالي أثار نقاشا حادا داخل المجلس، وفتح مجددا ملف السياسة الجبائية المحلية وحدود قدرتها على التوفيق بين متطلبات تمويل التنمية الحضرية ومبادئ الحكامة الجيدة والعدالة الجبائية.
وجاء هذا القرار في سياق تعديل وتتميم القرار الجبائي المنظم للرسوم والحقوق المستحقة لفائدة ميزانية جماعة الدار البيضاء، حيث تم التخلي عن نظام التسعير التدريجي الذي كان معمولا به سابقا، وتعويضه بتسعيرة موحدة تشمل مجموع الأراضي غير المبنية الواقعة داخل المدار الحضري للعاصمة الاقتصادية.
واعتبر مؤيدو هذا التوجه أن الرفع إلى الحد الأقصى يشكل آلية قانونية لتعبئة موارد مالية إضافية، قادرة على دعم الأوراش الكبرى التي تعرفها المدينة، خاصة في مجالات البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وخلال أشغال الدورة، دافعت رئيسة المجلس الجماعي، نبيلة الرميلي، عن القرار، مؤكدة أنه يندرج ضمن رؤية متكاملة لإعادة هيكلة الموارد الجبائية المحلية، وتجاوز ما وصفته باختلالات سابقة في تدبير الضريبة على الأراضي غير المبنية.
وأبرزت أن اعتماد التسعيرة القصوى يستند إلى تصنيف الدار البيضاء ضمن الفئة الأولى من حيث التجهيز والخدمات العمومية، وهو تصنيف يتيح قانونا تطبيق الحد الأعلى للضريبة، كما يعكس، بحسبها، مستوى الاستثمارات العمومية والبنيات التحتية التي استفادت منها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وشددت الرميلي على أن هذا القرار لم يتم اتخاذه بشكل انفرادي، بل سبقه تنسيق مع عدد من القطاعات والمؤسسات العمومية المعنية، بالنظر إلى الارتباط المباشر لهذا الإجراء بتدبير مجالات حيوية، من قبيل الصحة والتعليم والنقل والماء والكهرباء.
واعتبرت أن الرفع من الضريبة يهدف أيضا إلى محاربة الاحتفاظ بالأراضي غير المستغلة داخل المجال الحضري، ودفع الملاك إلى إدماجها في الدورة الاقتصادية، بما يساهم في التخفيف من الضغط العمراني وتوفير عرض عقاري يواكب حاجيات المدينة المتزايدة.
غير أن هذا الطرح لم يقنع فرق المعارضة، التي رأت في القرار تجسيدا لما وصفته بضعف الحكامة وغياب المقاربة التشاركية في اتخاذ قرارات جبائية ذات أثر مباشر على الملزمين.
وفي هذا السياق، سجلت المعارضة جملة من الانتقادات التي همت بالأساس المساطر المعتمدة، حيث اعتبرت أن المجلس لم يحترم الآجال القانونية بين الدورات، وهو ما اعتبرته مؤشرا على استعجال غير مبرر في تمرير قرار بهذه الحساسية.
كما أثارت المعارضة مسألة تأخر صدور قرار السلطة الوصية المتعلق بتحديد المناطق الخاضعة للتضريب، والذي لم يصدر إلا أياما قليلة قبل انعقاد الدورة، ما حد، بحسبها، من إمكانية دراسة القرار بشكل معمق، وطرح تساؤلات حول مدى جاهزية الإدارة الجماعية لتفعيل مقتضياته على أرض الواقع. واعتبرت أن هذا التأخير يفرغ النقاش داخل المجلس من محتواه، ويضع المستشارين أمام أمر واقع يصعب تعديله أو مراجعته.
وامتدت الانتقادات لتشمل الجانب التدبيري المرتبط بتحصيل الضريبة، حيث عبرت المعارضة عن تشكيكها في قدرة نظام القباضة الجماعية الجديد على ضمان انتقال سلس من نظام التحصيل التابع للخزينة العامة.
وأشارت إلى أن تقليص عدد القباض من سبعة عشر إلى ستة فقط، في غياب مقرات وتجهيزات واضحة، قد ينعكس سلبا على مردودية الاستخلاص، ويخلق ارتباكا إداريا من شأنه الإضرار بمصالح الملزمين والجماعة على حد سواء.
كما حذرت فرق معارضة من غياب تصور واضح بشأن آليات إشعار الملزمين بالتغييرات الجديدة، معتبرة أن ضعف التواصل قد يؤدي إلى نزاعات جبائية ويزيد من منسوب الاحتقان، خاصة في ظل اعتماد تسعيرة موحدة لا تميز بين وضعيات عقارية مختلفة داخل المجال الحضري.
واعتبرت أن مبدأ العدالة الجبائية يقتضي مراعاة الفوارق المجالية والاقتصادية، بدل الاكتفاء برفع الضريبة إلى سقفها الأقصى بشكل شامل.
ورغم هذه الانتقادات، تم تمرير القرار بأغلبية الأصوات، في خطوة تعكس إصرار الأغلبية المسيرة على المضي قدما في خيار تعزيز الموارد الذاتية للجماعة، مقابل تحذيرات من المعارضة من تبعات محتملة على مستوى الثقة في التدبير الجبائي المحلي.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة النقاش حول حدود السياسة الجبائية كأداة للتنمية، وحول الحاجة إلى مقاربة أكثر توازنا تجمع بين متطلبات التمويل واحترام قواعد الحكامة والشفافية، في مدينة تواجه تحديات عمرانية واجتماعية متزايدة بحجم الدار البيضاء.